في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (58)

58

( والذين هاجروا في سبيل الله ، ثم قتلوا أو ماتوا ، ليرزقنهم الله رزقا حسنا ، وإن الله لهو خير الرازقين . ليدخلنهم مدخلا يرضونه ، وإن الله لعليم حليم ) . .

والهجرة في سبيل الله تجرد من كل ما تهفو له النفس ، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه : الأهل والديار والوطن والذكريات ، والمال وسائر أعراض الحياة . وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان الله ، وتطلعا إلى ما عنده وهو خير مما في الأرض جميعا .

والهجرة كانت قبل فتح مكة وقيام الدولة الإسلامية . أما بعد الفتح فلم تعد هجرة . ولكن جهاد وعمل - كما قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فمن جاهد في سبيل الله وعمل كان له حكم الهجرة ، وكان له ثوابها . .

( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) . . سواء لاقوا الله شهداء بالقتل ، أو لاقوه على فراشهم بالموت . فلقد خرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيله مستعدين لكل مصير ، واستروحوا الشهادة في هجرتهم عن أي طريق ، وضحوا بكل عرض الحياة وتجردوا بهذا لله . فتكفل الله لهم بالعوض الكريم عما فقدوه : ( ليرزقنهم الله رزقا حسنا ، وإن الله لهو خير الرازقين ) . . وهو رزق أكرم وأجزل من كل ما تركوا .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (58)

شرح الكلمات :

{ والذين هاجروا } : أي هجروا ديار الكفر وذهبوا إلى دار الإيمان المدينة المنورة .

{ في سبيل الله } : أي هجروا ديارهم لا لدنيا ولكن ليعبدوا الله وينصروا دينه وأولياءه .

{ ليرزقهم رزقاً حسناً } : أي في الجنة إذ أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في بيان حكم الله تعالى بين عباده فذكر تعالى ما حكم به لأهل الإيمان والعمل الصالح وما حكم به لأهل الكفر والتكذيب ، وذكر هنا ما حكم به لأهل الهجرة والجهاد فقال عز وجل : { والذين هاجروا في سبيل الله } أي خرجوا من ديارهم لأجل طاعة الله ونصرة دينه { ثم قتلوا } من قِبلِ أعداء الله المشركين { أو ماتوا } حتف أنوفهم بدون قتل { ليرزقنهم الله رزقاً حسناً } في الجنة إذا أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش { ليدخلنهم } يوم القيامة { مدخلاً يرضونه } وهو الجنة ، وقوله تعالى : { وإن الله لهو خير الرازقين } أي لخير من يرزق فما رزقهم به هو خير زرق وأطيبه وأوسعه .

الهداية

من الهداية :

- بيان فضل الهجرة في سبيل الله حتى إنها تعدل الجهاد في سبيل الله .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (58)

ولما كان المشركون يمنعون بهذا الشبه وغيرها كثيراً من الناس الإيمان ، وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم ، رغب سبحانه في ا لهجرة فقال : { والذين هاجروا } أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم { في سبيل الله } أي طريق ذي الجلال والإكرام التي شرعها ، فكانت ظرفاً لمهاجرتهم ، فلم يكن لهم بها غرض آخر . ولما كان أكثر ما يخاف من الهجرة القتل . لقصد الأعداء للمهاجر بالمصادمة ، عند تحقق المصارمة ، قال معبراً بأداة التراخي إشارة إلى طول العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة : { ثم قتلوا } أي بعد الهجرة ، وألحق به مطلق الموت فضلاً منه فقال : { أو ماتوا } أي من غير قتل { ليرزقنهم الله } أي الملك الأعلى { رزقاً حسناً } من حين تفارق أرواحهم أشباحهم لأنهم أحياء عند ربهم ، وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا منه مما أثلوه طول أعمارهم . وأثله آباؤهم من قبلهم ، وأموالهم وأهليهم وديارهم .

ولما كان التقدير : فإن الله فعال لما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره ، عطف عليه قوله : { وإن الله } أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على الإحياء كما قدر على الإماتة { لهو خير الرازقين* } يرزق الخلق عامة البر منهم والفاجر ، فكيف بمن هاجر إليه ! ويعطي عطاء لا يدخله عد ، ولا يحويه حد ، وكما دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في الرزق بالشهيد ، دلت السنة أيضاً من حديث سلمان وغيره رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من مات مرابطاً أجري عليه الرزق وأمن الفتانين " .