( وإلى ثمود أخاهم صالحا . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها . فاستغفروه ثم توبوا إليه ، إن ربي قريب مجيب . .
( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) . .
وإنه كذلك المنهج الذي لا يتبدل :
( فاستغفروه ثم توبوا إليه ) . .
ثم هو التعريف بحقيقة الألوهية كما يجدها في نفسه الرسول :
وذكرهم صالح بنشأتهم من الأرض . نشأة جنسهم ، ونشأة أفرادهم من غذاء الأرض أو من عناصرها التي تتألف منها عناصر تكوينهم الجسدي . ومع أنهم من هذه الأرض . من عناصرها . فقد استخلفهم الله فيها ليعمروها . استخلفهم بجنسهم واستخلفهم بأشخاصهم بعد الذاهبين من قبلهم .
ثم هم بعد ذلك يشركون معه آلهة أخرى . .
( فاستغفروه ثم توبوا إليه ) . .
واطمئنوا إلى استجابته وقبوله :
والإضافة في ( ربي ) ولفظ ( قريب ) ولفظ ( مجيب ) واجتماعها وتجاورها . . ترسم صورة لحقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة ، وتخلع على الجو أنسا واتصالا ومودة ، تنتقل من قلب النبي الصالح إلى قلوب مستمعيه لو كانت لهم قلوب !
{ وإلى ثمود } : أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود .
{ أخاهم صالحا } : أي في النسب لأنه من قبيلة ثمود ، بينه وبين ثمود أبي القبيلة خمسة أجداد .
{ واستعمركم } : أي جعلكم عماراً فيها تعمرونها بالسكن والإِقامة فيها .
{ قريب مجيب } : أي من خلقه ، إذ العوالم كلها بين يديه ومجيب أي لمن سأله .
هذه بداية قصة صالح مع قومه إذ قال تعالى مخبراً عن إرساله إلى قومه { وإلى ثمود أخاهم صالحا } أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود بالحجر بين الحجاز والشام أخاهم في القبيلة لا في الدين صالحاً . فقال { يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فناداهم بعنوان القومية جمعا لقلوبهم على ما يقول لهم فقال { يا قوم اعبدوا الله } أي آمنوا به ووحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه أحداً . إذ ليس لكم من إله غيره . إذ هو ربكم أي خالقكم ورازقكم ومدير أمركم . { أنشأكم من الأرض } أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم منها { واستعمركم فيها } أي جعلكم تعمرونها بالسكن فيها والعيش عليها . إذا فاستغفروه بالاعتراف بألوهيته ثم توبوا إليه فاعبدوه وحده ولا تشركوا في عبادته أحداً . وقوله { إنّ ربّي قريب مجيب } أخبرهم بقرب الربّ تعالى من عباده وإجابته لسائليه ترغيبا لهم في الإِيمان والطاعة ، وترك الشرك والمعاصي . هذا ما تضمّنته الآية الأولى ( 61 ) .
- وحدة الوسيلة والغاية عند كافّة الرسل فالوسيلة عباة الله وحده ، والغاية رضا الله والجنة .
- تقديم الاستغفار على التوبة في الآية سره إن المرء لا يقلع عن ذنبه حتى يعترف به .
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم فتحدثت عن قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى -
{ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً . . . } .
هذه قصة صالح - عليه السلام - مع قومه كما ذكرتها هذه السورة ، وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الأعراف ، والشعراء ، والنمل ، والقمر .
وصالح - عليه السلام - ينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - فهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود . . بن نوح .
وثمود : اسم للقبيلة التى منها صالح ، سميت باسم جدها ثمود ، وقيل سميت بذلك لقلة مائها ، لأن الثمد هو الماء القليل .
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - وهو مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وموقعه الآن - تقريبا - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن ، وما زال المكان الذى كانوا يسكنونه بمدائن صالح حتى اليوم .
وقبيلة صالح من القبائل العربية ، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام - فقد قال - سبحانه - : { واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً . . . } وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم صالحاً ليأمرهم بعبادة الله وحده .
وقوله : { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ . . }
معطوف على ما قبله من قصتى نوح وهود - عليهما السلام - .
أى : وأرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام فقال لهم تكل الكلمة التى قالها كل نبى لقومه : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فهو الإِله الذى خلقكم ورزقكم ، وليس هناك من إله سواه يفعل ذلك .
ثم ذكرهم بقدرة الله - تعالى - وبنعمه عليهم فقال : { هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا }
والإِنشاء : الإِيجاد والإِحداث على غير مثال سابق .
واستعمركم من الإِعمار ضد الخراب فالسين والتاء للمبالغة . يقال : أعمر فلان فلانا فى المكان واستعمره ، أى جعله يعمره بأنواع البناء والغرس والزرع .
أى : اعبدوا الله - تعالى - وحده ، لأنه - سبحانه - هو الذى ابتدأ خلقكم من هذه الأرض ، وأبوكم آدم ما خلق إلا منها وهو الذى جعلكم المعمرين لها ، والساكنين فيها { تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً . . . } قال - تعالى - فى شأنهم . . { أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ . وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فَارِهِينَ . فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد ذكرهم بجانب من مظاهر قدرة الله ومن أفضاله عليهم ، لكى يستميلهم إلى التفكر والتدبر ، وإلى تصديقه فيما يدعوهم إليه .
والفاء فى قوله { فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ } للتفريع على ما تقدم .
أى : إذا كان الله - تعالى - هو الذى أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فعليكم أن تخلصوا له العبادة ، وأن تطلبوا مغفرته عما سلف منكم من ذنوب .
ثم تتوبوا إليه توبة صادقة : تجعلكم تندمون على ما كان منكم فى الماضى من شرك وكفر ، وتعزمون على التمسك بكل ما يرضى الله - تعالى - فى المستقبل .
ثم فتح أمامهم باب الأمل فى رحمة الله - تعالى - فقال : { إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }
أى : إن ربى قريب الرحمة من المحسنين ، مجيب الدعاء الداعين المخلصين ، فاقبلوا على عبادته وطاعته ، ولا تقنطوا من رحمة الله .
قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } أي أرسلنا إلى قوم ثمود أخاهم صالحا . وهو أخوهم في النسب ، فدعاهم في تودد ورفق بقوله { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي اعبدوا الله وحده دون غيره من الشركاء والأنداد ؛ فغنه الإله الخالق الحق ، وليس لكم من إله خالق ورازق ومدبر سواه { هو أنشأكم من الأرض } وذلك بخلق آدم أبي البشر من التراب { واستعمركم فيها } أي جعلكم عمارها{[2117]} ، أو أعاشكم فيها ، أو أمركم بعمارة الأرض ليكون فيها مستقركم وسكنكم ؛ ففيها تبنون وتزرعون وتعيشون آمنين مستقرين مدة أعماركم المحدودة وأنتم تقضون فترة الابتلاء في هذه الدنيا حتى تحين آجالهم بالإفضاء إلى أخراكم حيث الحساب والجزاء .
قوله { فاستغفروه ثم توبوا إليه } اطلبوا منه المغفرة من إشراككم ومعاصيكم ثم ارجعوا إليه بحسن العبادة وتمام الطاعة { إن ربي قريب مجيب } الله قريب من عباده المؤمنين المخبتين المخلصين ، مجيب لهم إذا دعوه ضارعين منيبين{[2118]} .