لذلك يعقب على هذا الوعد بالأمر بالصلاة والزكاة والطاعة ، وبألا يحسب الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وأمته حسابا لقوة الكافرين الذين يحاربونهم ويحاربون دينهم الذي ارتضى لهم :
( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون . لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض . ومأواهم النار ولبئس المصير ) . .
فهذه هي العدة . . الاتصال بالله ، وتقويم القلب بإقامة الصلاة . والاستعلاء على الشح ، وتطهير النفس والجماعة بإيتاء الزكاة . وطاعة الرسول والرضى بحكمه ، وتنفيذ شريعة الله في الصغيرة والكبيرة ، وتحقيق النهج الذي أراده للحياة : ( لعلكم ترحمون )في الأرض من الفساد والانحدار والخوف والقلق والضلال ، وفي الآخرة من الغضب والعذاب والنكال .
فإذا استقمتم على النهج ، فلا عليكم من قوة الكافرين . فما هم بمعجزين في الأرض ، وقوتهم الظاهرة لن تقف لكم في طريق . وأنتم أقوياء بإيمانكم ، أقوياء بنظامكم ، أقوياء بعدتكم التي تستطيعون . وقد لا تكونون في مثل عدتهم من الناحية المادية . ولكن القلوب المؤمنة التي تجاهد تصنع الخوارق والأعاجيب .
إن الإسلام حقيقة ضخمة لا بد أن يتملاها من يريد الوصول إلى حقيقة وعد الله في تلك الآيات . ولا بد أن يبحث عن مصداقها في تاريخ الحياة البشرية ، وهو يدرك شروطها على حقيقتها ، قبل أن يتشكك فيها أو يرتاب ، أو يستبطى ء وقوعها في حالة من الحالات .
إنه ما من مرة سارت هذه الأمة على نهج الله ، وحكمت هذا النهج في الحياة ، وارتضته في كل أمورها . . إلا تحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن . وما من مرة خالفت عن هذا النهج إلا تخلفت في ذيل القافلة ، وذلت ، وطرد دينها من الهيمنة على البشرية ؛ واستبد بها الخوف ؛ وتخطفها الأعداء .
ألا وإن وعد الله قائم . ألا وإن شرط الله معروف . فمن شاء الوعد فليقم بالشرط . ومن أوفى بعهده من الله ?
قوله تعالى : " لا تحسبن الذين كفروا " هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد بالنصرة . وقراءة العامة " تحسبن " بالتاء خطابا . وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة " يحسبن " بالياء ، بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض ؛ لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين . وهذا قول الزجاج . وقال الفراء وأبو علي : يجوز أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين الأرض . ف " الذين " مفعول أول ، و " معجزين " مفعول ثان . وعلى القول الأول " الذين كفروا " فاعل " أنفسهم " مفعول أول ، وهو محذوف مراد " معجزين " مفعول ثان . قال النحاس : وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة ، فمنهم من يقول : هي لحن ؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن . وممن قال هذا أبو حاتم . وقال الفراء : هو ضعيف ، وأجازه على ضعفه ، على أنه يحذف المفعول الأول ، وقد بيناه . قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة : يكون " الذين كفروا " في موضع نصب . قال : ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض .
قلت : وهذا موافق لما قاله الفراء وأبو علي ؛ إلا{[12051]}أن الفاعل هناك النبي صلى الله عليه وسلم . وفي هذا القول الكافر . و " معجزين " معناه فائتين . وقد تقدم{[12052]} . " ومأواهم النار ولبئس المصير " أي المرجع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.