في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (78)

74

( فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي . هذا أكبر . فلما أفلت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ، وما أنا من المشركين )

إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءا وحرارة . . الشمس . . والشمس تطلع كل يوم وتغيب . ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد . إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه ؛ ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل :

( قال : هذا ربي . هذا أكبر ) .

ولكنها كذلك تغيب . .

هنا يقع التماس ، وتنطلق الشرارة ، ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق ، ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي . . هنا يجد إبراهيم إلهه . . يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره . . هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح . .

وهنا يجد إبراهيم إلهه . ولكنه لا يجده في كوكب يلمع ، ولا في قمر يطلع ، ولا في شمس تسطع . . ولا يجده فيما تبصر العين ، ولا فيما يحسه الحس . . إنه يجده في قلبه وفطرته ، وفي عقله ووعيه ، وفي الوجود كله من حوله . . إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين ، ويحسه الحس ، وتدركه العقول .

وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ؛ ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة ، ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك :

( قال : يا قوم إني بريء مما تشركون ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (78)

وفي هذه المرة الثالثة انتقل من التعريض إلى التصريح بالبراءة منهم ، والتصريح بأنهم على شِرك بيّن ، فقد ظهر له الحق غاية الظهور .

ثم رأى إبراهيم الشمس طالعة بعد ذلك ، فقال محدّثا نفسه : هذا ربّي ، لأنه أكبر مما يُرى من الكواكب قدراً ، وأعظم ضياء ونوراً ، فهو أجدر بالربوبية . بيد أنها أفلَت كما أفلَ غيرها . وعند ذاك صرح إبراهيم بما أراد التعريض به ، وقال : يا قوم ، إني بريء من هذه المعبودات التي تشركونها مع الله في العبادة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (78)

قوله تعالى : " فلما رأى الشمس بازغة " نصب على الحال ؛ لأن هذا من رؤية العين . بزغ يبزغ إذا طلع . وأفل يأفل أفولا إذا غاب . وقال : " هذا " والشمس مؤنثة ؛ لقوله " فلما أفلت " فقيل : إن تأنيث الشمس لتفخيمها وعظمها ، فهو كقولهم : رجل نسابة وعلامة . وإنما قال : " هذا ربي " على معنى : هذا الطالع ربي . قاله الكسائي والأخفش . وقال غيرهما : أي هذا الضوء . قال أبو الحسن علي بن سليمان : أي هذا الشخص ، كما قال الأعشى :

قامت تبكِّيه على قبره *** من لي من بعدك يا عامر

تركتني في الدار ذا غربة *** قد ذلَّ من ليس له ناصر{[6520]}


[6520]:الشاهد فيه قوله: "ذا غربة" أي شخصا ذا غربة.