وقد أمر الرسول [ ص ] أن يعلن منهجه في مواجهة من ينكر بعض الكتاب ، وهو استمساكه الكامل بكامل الكتاب الذي أنزل إليه من ربه ، سواء فرح به أهل الكتاب كله ، أم أنكر فريق منهم بعضه . ذلك أن ما أنزل إليه هو الحكم الأخير ، نزل بلغته العربية وهو مفهوم له تماما ، وإليه يرجع ما دام هو حكم الله الأخير في العقيدة :
( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) . .
( ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) . .
فالذي جاءك هو العلم اليقين ، وما يقوله الأحزاب أهواء لا تستند إلى علم أو يقين . وهذا التهديد الموجه إلى الرسول [ ص ] أبلغ في تقرير هذه الحقيقة ، التي لا تسامح في الانحراف عنها ، حتى ولو كان من الرسول ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام .
قوله تعالى : " وكذلك أنزلناه حكما عربيا " أي وكما أنزلنا عليك القرآن فأنكره بعض الأحزاب كذلك أنزلناه حكما عربيا ، وإذا وصفه بذلك لأنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو عربي ، فكذب الأحزاب بهذا الحكم أيضا . وقيل نظم الآية : وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا إليك القرآن حكما عربيا ، أي بلسان العرب ، ويريد بالحكم ما فيه من الأحكام . وقيل : أراد بالحكم العربي القرآن كله ؛ لأنه يفصل بين الحق والباطل ويحكم . " ولئن اتبعت أهواءهم " أي أهواء المشركين في عبادة ما دون الله ، وفي التوجيه إلى غير الكعبة . " بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق " أي ناصر ينصرك . " ولا واق " يمنعك من عذابه ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد الأمة .
ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت ، أتبع تعالى ذكر ما أنزل قوله : { وكذلك } أي ومثل هذا الإنزال ، البديع المثال ، البعيد المنال ؛ ولا يبعد أن يكون عطفاً على { كذلك{[44367]} أرسلناك } أو مثل إنزال{[44368]} كتب أهل الكتاب { أنزلناه } بما لنا من العظمة حال كونه { حكماً عربيّاً } أي ممتلئاً حكمة تقضي بالحق ، فائقاً لجميع الكتب بهذا الوصف ؛ والحكم : القطع بالمعنى على ما تدعو إليه الحكمة ، وهو أيضاً فصل الأمر على الحق ؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض شيء منه ، فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم ، وما ليس{[44369]} كذلك فليس بحكم ، والعربي : الجاري على مذاهب العرب في كلامها{[44370]} ، فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى إليك من سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد الأوثان ، وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه { ولئن اتبعت أهواءهم } في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القبلة أو غيرها ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى : { ولئن أتيت{[44371]} الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك{[44372]} وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض{[44373]} ولئن اتبعت أهواءهم }[ البقرة :145 ] . ولما كان المراد التعميم في الزمان ، نزع الجار{[44374]} ، وأتى ب " ما " لأنها{[44375]} أعم من " الذي " وأشد إبهاماً ، فهي الخفيّ معنى ، فناسب سياق الوحي الذي هو غيب ، ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء بخلاف آية البقرة الأولى{[44376]} فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل الناشىء عن نظر المحسوسات فقال : { بعدما جاءك } ولما كان قد أنعم عليه صلى الله عليه وسلم بأشياء غير العلم ، بين{[44377]} المراد بقوله : { من العلم } أي بالوحي بأن ذلك الاتباع لا يردهم سواء{[44378]} كان ذلك{[44379]} الاتباع{[44380]} في أصول الشريعة أو فروعها خفية كانت أو جلية .
ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء ، قال : { ما لك } حينئذ { من الله } أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال : { من ولي } أي ناصر{[44381]} يتولى من{[44382]} نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه . ولما كان مدلول " ما " أعم من مدلول{[44383]} " الذي " لشمولها الظاهر والخفي ، وكان من خالف{[44384]} الخفي أعذر ممن خالف الظاهر ، نفى الأخص من النصير فقال : { ولا واق * }{[44385]} أي يقيك بنفسه فيجعلها دون نفسك ، وقد يوجد من الأنصار من لا يسمح بذلك{[44386]} ، وهذا بعث للأمة وتهييج على الثبات في الدين والتصلب فيه ، والهوى - مقصوراً : ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة ، والعلم : تبين{[44387]} الشيء على ما هو به .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.