في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ} (12)

ثم يواجهون الطغيان بالإيمان ، ويواجهون الأذى بالثبات ؛ ويسألون للتقرير والتوكيد :

( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ؟ ولنصبرن على ما آذيتمونا ، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) . .

( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ) . .

إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه . المالئ يديه من وليه وناصره . المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد أن ينصر وأن يعين . وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل ؟ والقلب الذي يحس أن يد الله - سبحانه - تقود خطاه ، وتهديه السبيل ، هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده - سبحانه - وألوهيته القاهرة المسيطرة ؛ وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق ، أيا كانت العقبات في الطريق ، وأيا كانت قوى الطاغوت التي تتربص في هذا الطريق . ومن ثم هذا الربط في رد الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت ؛ ثم إصرارهم على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد .

وهذه الحقيقة - حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله وبين بديهية التوكل عليه - لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلا في مواجهة طاغوت الجاهلية ؛ والتي تستشعر في أعماقها يد الله - سبحانه - وهي تفتح لها كوى النور فتبصر الآفاق المشرقة وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة ، وتحس الأنس والقربى . . وحينئذ لا تحفل بما يتوعدها به طواغيت الأرض ؛ ولا تملك أن تستجيب للإغراء ولا للتهديد ؛ وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل . وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو ؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد ؟ !

( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ) . .

( ولنصبرن على ما آذيتمونا ) .

لنصبرن ، لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نهن ؛ ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد . .

( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) . .

/خ27

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ} (12)

قوله تعالى : " وما لنا ألا نتوكل على الله " " ما " استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و " لنا " الخبر ، وما بعدها في موضع الحال ، التقدير : أي شيء لنا في ترك التوكل على الله . " وقد هدانا سبلنا " أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته ، وينجي من سخطه ونقمته . " ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون " " ولنصبرنَّ " لام قسم ، مجازه : والله لنصبرن " على ما آذيتمونا " به ، أي من الإهانة والضرب ، والتكذيب والقتل ، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا . " وعلى الله فليتوكل المتوكلون " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ} (12)

ثم{[44775]} بينوا سبب وجوب{[44776]} التوكل بقولهم : { وما } أي وأي شيء { لنا } في { ألاّ نتوكل على الله } أي ذي الجلال والإكرام { و } الحال أنه { قد هدانا سبلنا } فبين لنا كل ما نأتي وما نذر ، فلا محيص لنا عن شيء من ذلك ، فلنفعلن جميع أوامره ، ولننتهين عن جميع مناهيه { ولنصبرن } أكدوا لإنكار{[44777]}الكفار أن يصبر الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم { على ما }{[44778]} وعبر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي{[44779]} فلا يجازونهم به{[44780]} ، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين{[44781]} ، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في الاستقبال فقد يأمرهم{[44782]} بالجهاد وقد يأمرهم بالصبر ، فقال : { آذيتمونا } أي في ذلك الذي أمرنا{[44783]} به كائناً فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه { وعلى الله } أي الذي له جميع صفات الكمال وحده { فليتوكل المتوكلون * } الذين{[44784]} علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أو{[44785]} لا ، فوكلوا أمراً من أمورهم إلى غيرهم ليكفيهم{[44786]} إياه ، فإنه محيط العلم كامل القدرة ، وكل من عداه عاجز ، والصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات المطلق من الكرب ، والحق{[44787]} لا بد وأن يصير غالباً قاهراً ، والباطل لا بد وأن يصير مغلوباً مقهوراً وإن طال الابتلاء .


[44775]:في ظ: بين وجوب سبب.
[44776]:في ظ: بين وجوب سبب.
[44777]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: الإنكار.
[44778]:العبارة من هنا إلى "آذيتمونا" ساقطة من م.
[44779]:من مد، وفي الأصل: فلا يجاوزونهم به، وفي ظ: فلا يجاوزونهم فيه.
[44780]:من مد، وفي الأصل: فلا يجاوزونهم به، وفي ظ: فلا يجاوزونهم فيه.
[44781]:من ظ ومد، وفي الأصل: المودون.
[44782]:زيد من ظ ومد.
[44783]:من مد، وفي الأصل و م: أخرنا، وفي ظ: أمرتنا؛ ومن هنا إلى "ما كان" سقطت العبارة من م.
[44784]:في ظ: الذي.
[44785]:في ظ: أم.
[44786]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: فيكفيهم.
[44787]:زيد من م ومد.