في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (28)

27

وبعد الاستئذان إما أن يكون في البيوت أحد من أهلها أو لا يكون . فإن لم يكن فيها أحد فلا يجوز اقتحامها بعد الاستئذان ، لأنه لا دخول بغير إذن :

( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ) . .

وإن كان فيها أحد من أهلها فإن مجرد الاستئذان لا يبيح الدخول ؛ فإنما هو طلب للإذن . فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول كذلك . ويجب الانصراف دون تلكؤ ولا انتظار :

( وإن قيل لكم : ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) . .

ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة ، ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم ، أو النفرة منكم . فللناس أسرارهم وأعذارهم . ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين .

( والله بما تعملون عليم ) . . فهو المطلع على خفايا القلوب ، وعلى ما فيها من دوافع ومثيرات .

/خ29

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (28)

فيه أربع مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " فإن لم تجدوا فيها أحدا " الضمير في " تجدوا فيها " للبيوت التي هي بيوت الغير . وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال : معنى قوله : " فان لم تجدوا فيها أحدا " أي لم يكن لكم فيها متاع . وضعف الطبري هذا التأويل ، وكذلك هو في غاية الضعف ، وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن إذا كان للداخل فيها متاع . ورأى لفظة " المتاع " متاع البيت ، الذي هو البسط والثياب ، وهذا كله ضعيف . والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها والأحاديث ، التقدير : يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ، فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا ، كما فعل عليه السلام مع سعد ، وأبو موسى مع عمر رضي الله عنهما . فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا . وأسند الطبري عن قتادة قال : قال رجل من المهاجرين : لقد طلبت عمري [ كله ]{[11875]}هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فارجع وأنا مغتبط ؛ لقوله تعالى : " هو أزكى لكم " .

الثانية-سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا ؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه ، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الإذن على صفة لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه . فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( من ملأ عينيه من قاعة بيت فقد فسق ) وروي في الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى{[11876]} يرجِّلُ به رأسه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الله الإذن من أجل البصر ) . وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته{[11877]} بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ) .

الثالثة-إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز{[11878]} من الصغير والكبير . وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله عنهم . وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى .

الرابعة-قوله تعالى : " والله بما تعملون عليم " توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز ، ولغيرهم ممن يقع في محظور .


[11875]:من ط و ك.
[11876]:المدرى والمدراة: شيء يعمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان. المشط وأطول منه يسرح به الشعر.
[11877]:الخذف: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبا بيتك وترمي بها.
[11878]:أولى أن يقال: يجب.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (28)

ولما كان السكان قد يكونون غائبين ، والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع غيره على جميع أموره ، قال : { فإن لم تجدوا فيها } أي البيوت التي ليس بها سكناكم { أحداً } قد يمنعكم ، فالله يمنعكم منها ، تقديماً لدرء المفاسد { فلا تدخلوها } أي أبداً { حتى يؤذن لكم } من آذن ما بإذن شرعي من الساكن أو غيره ، لأن الدخول تصرف في ملك الغير أو حقه فلا يحل بدون إذنه . ولما كان كأنه قيل : فإن أذن لكم في شيء ما استأذنتم فيه فادخلوا ، عطف عليه قوله : { وإن قيل لكم } من قائل ما إذا استأذنتم في بيت فكان خالياً أو فيه أحد : { ارجعوا فارجعوا } أي ولا تستنكفوا من أن تواجهوا بما تكرهون من صريح المنع ، فإن الحق أحق أن يتبع ، وللناس عورات وأمور لا يحبون اطلاع غيرهم عليها .

ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحراً في الصدر ، وعد سبحانه عليه بما يجبر ذلك ، فقال على طريق الاستئناف : { هو } أي الرجوع المعين { أزكى } أي أطهر وأنمى { لكم } فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير ، ونماء بما يلحق صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما في ذلك عند الله .

ولما كان التقدير : فالله يجازيكم على امتثال أمره ، وكان الإنسان قد يفعل في البيوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ما أدب به سبحانه مما صورته مصلحة وهو مفسدة ، عطف على ذلك المقدر قوله : { والله } أي الملك الأعلى . ولما كان المراد المبالغة في العلم ، قدم الجار ليصير كما إذا سألت شخصاً عن علم شيء فقال لك : ما أعلم غيره ، فقال : { بما تعملون } أي وإن التبس أمره على أحذق الخلق { عليم* } لا يخفى عليه شيء منه وإن دق ، فإياكم ومشتبهات الأمور ، فإذا وقفتم للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب ، ولكن على يمينه أو يساره ، لأن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر ، وتحاموا النظر إلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من أهل البيت ليعرف من على الباب : هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له ، أو لا فيرد ، ونحو هذا من أشكاله مما لا يخفى على متشرع فطن ، يطير طائر فكره في فسيح ما أشار إليه مثل قوله صلى الله عليه السلام : " إذا حدث الرجل فالتفت فهي أمانة " وراه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر رضي الله عنه .