في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (129)

128

وقبل استئناف الحوار لإتمام المشهد ، يتحول السياق للتعقيب على شطر المشهد المنتهي :

( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) . .

بمثل هذا الذي قام بين الجن والإنس من ولاء ؛ وبمثل ما انتهى إليه هذا الولاء من مصير . . بمثل ذلك ، وعلى قاعدته ، نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . نجعل بعضهم أولياء بعض ؛ بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة ؛ وبحكم ما بينهم من اتفاق في الوجهة والهدف ، وبحكم ما ينتظرهم من وحدة في المصير . .

وهو تقرير عام أبعد مدى من حدود المناسبة التي كانت حاضرة ، إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة . فإن الظالمين - وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور - يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى ؛ ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به . إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة - مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة ، تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس ، كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله . .

ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا - على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح - إذا كانت المعركة مع دين الله ومع أولياء الله . . فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة ، واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء . . وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض !

وإننا لنشهد في هذه الفترة - ومنذ قرون كثيرة - تجمعا ضخما لشياطين الإنس من الصليبين والصهيونيين والوثنيين والشيوعيين - على اختلاف هذه المعسكرات فيما بينها - ولكنه تجمع موجه إلى الإسلام ، وإلى سحق طلائع حركات البعث الإسلامي في الأرض كلها .

وهو تجمع رهيب فعلا ، تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام ، مع القوى المادية والثقافية ، مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة . . وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانه : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) . . كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه - [ ص ] : ( ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) . . ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله [ ص ] وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين ، وعلى المؤمنين . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (129)

قوله تعالى : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض ، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدا . ومعنى " نولي " على هذا نجعل وليا . قال ابن زيد : نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس . وعنه أيضا : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله . وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه{[6714]} أو يظلم الرعية ، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف ، وانظر فيه متعجبا . وقال ابن عباس : إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم . وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أعان ظالما سلطه الله عليه ) . وقيل : المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر ، كما نكلهم غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا . وقد قيل في قوله تعالى : " نوله ما تولى{[6715]} " [ النساء : 115 ] : نكله إلى ما وكل إليه نفسه . قال ابن عباس : تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا{[6716]} ولى أمرهم شرارهم . يدل عليه قوله تعالى : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم{[6717]} " [ الشورى : 30 ] .


[6714]:من ك.
[6715]:راجع ج 5 ص 385.
[6716]:في ك: سوءا.
[6717]:راجع ج 16 ص 30.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (129)

ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم ، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال : { وكذلك } أي ومثل تلك{[31232]} التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين { نولي } أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق { بعض الظالمين{[31233]} } أي الغريقين في الظلم { بعضاً } أي بأن نجمع{[31234]} بين الأشكال ، في الأوصاف الباطنة والخصال ، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال ، والأوجاع والأنكال { بما كانوا } بجبلاتهم { يكسبون * } أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي{[31235]} طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض ، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم ، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها ، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً ، وهم لا يزدادون إلا الالتئام{[31236]} حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب ؛ روى الطبراني في الأوسط عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عزّ وجلّ يقول : أنتقم ممن{[31237]} أبغض بمن أبغض ثم{[31238]} أصيّر كلاًّ إلى النار " وعن مالك بن دينار{[31239]} قال : رأيت{[31240]} في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول : افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم{[31241]} بأوليائي . أو{[31242]} يقال : فقد أخبرنا أن الله عزّ وجلّ{[31243]} ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم ، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال ، أو يقال : فقد بان أن كلاًّ{[31244]} من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل ، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض{[31245]} ، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر{[31246]} بعضهم بعضاً إن قدروا ، وهيهات منهم ذلك هيهات ! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب .


[31232]:من ظ، وفي الأصل: ذلك.
[31233]:تأخر في الأصل عن "في الظلم"لا والترتيب من ظ.
[31234]:من ظ، وفي الأصل: يجمع.
[31235]:من ظ، وفي الأصل: الذي.
[31236]:من ظ، وفي الأصل: التيام.
[31237]:في ظ: بمن.
[31238]:من ظ، وفي الأصل: من.
[31239]:من ظ، وفي الأصل: قرأت.
[31240]:من ظ، وفي الأصل: قرأت.
[31241]:في ظ: افتنهم.
[31242]:من ظ، وفي الأصل "و.
[31243]:زيد بعده في الأصل: يقول، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[31244]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[31245]:سقط من ظ.
[31246]:من ظ، وفي الأصل: يبصر.