في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ} (42)

40

( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )

إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه . نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله ، وكيف تكون عاقبة تعرضهم له ، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة ، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ؛ فإذا نسوا ما ذكروا به ، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له ، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة ، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح ، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار . .

( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) . .

ولقد عرف الواقع البشري كثيرا من هذه الأمم ، التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها ، قبل أن يولد " التاريخ " الذي صنعه الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد ، صغير السن ، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ؛ وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ؛ والتي يكمن بعضها في أغوار النفس ، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها ، وهذا البعض يخطى ء البشر في جمعه ، ويخطئون في تفسيره ، ويخطئون أيضا في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلا - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علما ، وأنه يملك تفسيره تفسيرا " علميًا " وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضا . . هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي : إنه يتحدث عن [ توقعات ] لا عن [ حتميات ] لكان ذلك مستساغا . . ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ؟ !

والله يقول الحق ؛ ويعلم ماذا كان ، ولماذا كان . ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ؛ ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ؛ وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ؛ يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا . ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ، استنادا إلى سنة الله التي لا تتبدل . . هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها . .

وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى . . أمم جاءتهم رسلهم . فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في أحوالهم وأوضاعهم . . البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون " عذاب الله " الذي تحدثت عنه الآية السابقة ، وهو عذاب التدمير والاستئصال . .

وقد ذكر القرآن نموذجا محددا من هذه الأمم ، ومن البأساء والضراء التي أخذها بها . . في قصة فرعون وملئه : ( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا : مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ، فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ) . .

وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ} (42)

قوله تعالى : " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك " الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه إضمار ، أي أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر ؛ تقديره : فكذبوا فأخذناهم . وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها ، وذلك أن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم ، فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم . ومعنى " بالبأساء " بالمصائب في الأموال " والضراء " في الأبدان ، هذا قول الأكثر ، وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ، ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء " لا يسأل عما يفعل{[6343]} " [ الأنبياء : 23 ] . قال ابن عطية : استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال ، والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية .

قلت : هذه جهالة ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلا لها ، هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده يمتحنهم بها ، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها ، فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة ، ونفوز بها من أهوال يوم القيامة ، وفى التنزيل : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا{[6344]} " [ المؤمنون : 51 ] وقال : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم{[6345]} " [ البقرة : 267 ] . " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم{[6346]} " [ البقرة :172 ] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها ، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا ، على ما تقدم بيانه في " المائدة " {[6347]} وسيأتي في " الأعراف " {[6348]} من حكم اللباس وغيره ، ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والأنعام التي سخرها وأباح لنا أكلها وشربها ألبانها والدفء بأصوافها - إلى غير ذلك مما امتن به - كبير فائدة ، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء ، وقد تقدم في آخر " البقرة " {[6349]} بيان فضل المال ومنفعته والرد على من أبى من جمعه ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة الضعف على الأبدان ، ونهى عن إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال .

قوله تعالى : " لعلهم يتضرعون " أي يدعون ويذلون ، مأخوذ{[6350]} من الضراعة وهي الذلة ، يقال : ضرع فهو ضارع .


[6343]:راجع ج11 ص 278.
[6344]:راجع ج 12 ص 127.
[6345]:راجع ج 3 ص 320.
[6346]:راجع ج 2 ص 215.
[6347]:راجع ص 263 وما بعدها من هذا الجزء.
[6348]:راجع ج 7 ص 195.
[6349]:راجع ج 3 ص 417 وما بعدها.
[6350]:من ب، ج، ك، ع.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ} (42)

ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت{[29589]} السبل{[29590]} في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء ، أخبرهم أن تركه{[29591]} يوجب الشقاء ، ترغيباً في إدامته وترهيباً من{[29592]} مجانبته فقال : { ولقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إلى أمم } أي أناس يؤم بعضهم بعضاً ، وهم أهل لأن يقصدهم الناس ، لما لهم من الكثرة والعظمة .

ولما كان المراد بعض الأمم ، وهم الذين أراد الله إشهادهم{[29593]} وقص{[29594]} أخبارهم ، أدخل الجار فقال : { من قبلك } أي رسلاً فخالفوهم ، وحسّن هذا الحذف{[29595]} كونه مفهوماً { فأخذناهم } أي فكان إرسالنا{[29596]} إليهم سبباً لأن أخذناهم بعظمتنا ، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم{[29597]} إليه الرسل { بالبأساء } من تسليط القتل عليهم { والضراء } بتسليط الفقر والأوجاع { لعلهم يتضرعون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ{[29598]} ، بما يرشد إليه{[29599]} - مع صيغة التفعل{[29600]} - الإظهار ، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد ، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة ، بخلاف ما يأتي في الأعراف{[29601]} .


[29589]:في ظ: استنار.
[29590]:من ظ، وفي الأصل: السبيل.
[29591]:في ظ: تركهم.
[29592]:في ظ: في.
[29593]:في ظ: شهادتهم وخص.
[29594]:في ظ: شهادتهم و خص.
[29595]:من ظ، وفي الأصل: الحديث.
[29596]:من ظ، وفي الأصل: أرسلنا.
[29597]:في ظ: يدعوهم.
[29598]:سقط من ظ.
[29599]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29600]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29601]:راجع آية 94.