( فقطع دابر القوم الذين ظلموًا ) . .
ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى ! . . و ( الذين ظلموا )تعني هنا الذين أشركوا . . كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين . .
( والحمد لله رب العالمين ) . .
تعقيب على استئصال الظالمين [ المشركين ] بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين . . وهل يحمد الله على نعمة ، أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين ، أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ؟
لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة ؛ ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ، ذلك السر المغيب من قدر الله ؛ وهذا القدر الظاهر من سنته ؛ وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ؛ وكان لها من التمكين في الأرض ؛ وكان لها من الرخاء والمتاع ؛ ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم ؛ مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ؛ مخدوعة بما هي فيه ؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء . .
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان ، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم ، وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه ، وهي تتمرد على سلطانه ، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته ، وهي تعيث في الأرض فسادا ، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله . .
ولقد كنت - في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) . . فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية . . مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! . . لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك !
وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على " الرجل الأبيض " وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة ، وفي وحشية كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الارض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها حتى صار علما على الصلف العنصري . بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين . .
كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة الله ، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين :
( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) . .
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله [ ص ] فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج الوفير ، ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب النفسي ، والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي ، والانحلال الخلقي . . الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ؛ وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، في مقابل شهوة أو شذوذ . . وهي طلائع لا تخطى ء على نهاية المطاف !
وليس هذا كله إلا بداية الطريق . . وصدق رسول الله [ ص ] قال : " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما هو استدراج " . . ثم تلا : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) . . [ رواه ابن جرير ، وابن أبى حاتم ] .
غير أنه ينبغي ، مع ذلك ، التنبية إلى أن سنة الله في تدمير [ الباطل ] أن يقوم في الأرض [ حق ] يتمثل في [ أمة ] . . ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغة فإذاهو زاهق . . فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله . . وهم كسالى قاعدون . . . والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض ، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية . . هذا هو الحق الأول ، والحق الأصيل . . ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) . .
قوله تعالى : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " الدابر الآخر ؛ يقال : دبر القوم يدبرهم دبرا إذا كان آخرهم في المجيء . وفي الحديث عن عبدالله بن مسعود ( من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا{[6356]} ) أي في آخر الوقت ، والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم فلم تبق لهم باقية . قال قطرب : يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا . قال أمية بن أبي الصلت :
فأهلكوا بعذاب حَصَّ دابرَهم *** فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا
ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور .
قوله تعالى : " والحمد لله رب العالمين " قيل : على إهلاكهم وقيل : تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه . وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم ؛ لما يعقب من قطع الدابر ، إلى العذاب الدائم ، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد .
ولما كان من عادة الغالب من{[29620]} أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشُذّابهم{[29621]} لملل أصحابه من الطلب وضجرهم{[29622]} من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب ، أخبر تعالى أن أخذه على غير{[29623]} ذلك ، وأن نيله للآخر{[29624]} كنيله للأول على حد سواء ، فقال مسبباً عن الأخذ الموصوف مشيراً بالبناء{[29625]} للمفعول إلى تمام القدرة ، وبالدابر إلى الاستئصال : { فقطع دابر } أي آخر { القوم الذين ظلموا } أي بوضع الشيء في غير موضعه دأب{[29626]} الماشي في الظلام ، {[29627]} وضعوا لقسوة موضع الرقة التي تدعو إليها الشدة ، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى الشدة ، كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان{[29628]} ذلك{[29629]} موضع دعاء من أفاض تلك النعم ، ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء{[29630]} من عبدتموه وقت الرخاء ، لئلا تقعوا{[29631]} فيما جرت عادتكم بالذم به .
وإن{[29632]} تكون كريهة{[29633]} أدعى لها *** وإذا يحاس الحيس{[29634]} يدعى جندب
ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من الرسل عليهم السلام وأتباعهم رضي الله عنهم ، نبه على ذلك بالجملة{[29635]} مع ما يشير إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال : { والحمد } أي قطع أمرهم كله والحال أن الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } المتفرد{[29636]} بنعوت الجلال والجمال { رب العالمين * } الموجد لهم أجمعين ، أي له{[29637]} ذلك كله{[29638]} بعد فناء الخلق على أيّ صفة كانوا من إيمان أو كفر ، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة ، فكأنه قيل : الكمال لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، فقطع دابرهم ، والكمال له لم يتغير ، لأنه لا يزيده وجود موجود ، ولا ينقصه فقد مفقود ، فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان محموداً حال الإيجاد والخلق ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإنه لا يخرج{[29639]} شيء عن{[29640]} إيمانهم{[29641]} ولا كفرانهم عن إرادته سبحانه ، فلا عليك منهم اقترحوا{[29642]} الآيات أولا ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ .