( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ؛ كل في كتاب مبين )
وهذه صورة أخرى من صور العلم الشامل المرهوب . . هذه الدواب - وكل ما تحرك على الأرض فهو دابة من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة . ما من دابة من هذه الدواب التي تملأ وجه البسيطة ، وتكمن في باطنها ، وتخفى في دروبها ومساربها . ما من دابة من هذه الدواب التي لا يحيط بها حصر ولا يكاد يلم بها إحصاء . . إلا وعند الله علمها . وعليه رزقها ، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن . من أين تجيء وأين تذهب . . وكل منها . كل من أفرادها مقيد في هذا العلم الدقيق .
إنها صورة مفصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات ، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق .
ويزيد على مجرد العلم ، تقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا الحشد الذي يعجز عن تصوره الخيال . وهذه درجة أخرى ، الخيال البشري عنها أعجز إلا بإلهام من الله . .
وقد أوجب الله - سبحانه - على نفسه مختارا أن يرزق هذا الحشد الهائل الذي يدب على هذه الأرض . فأودع هذه الأرض القدرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات جميعا ، وأودع هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض في صورة من صوره . ساذجا خامة ، أو منتجا بالزرع ، أو مصنوعا ، أو مركبا . . إلى آخر الصور المتجددة لإنتاج الرزق وإعداده . حتى إن بعضها ليتناول رزقه دما حيا مهضوما ممثلا كالبعوضة والبرغوث
وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله ورحمته في خلق الكون على الصورة التي خلقه بها ؛ وخلق هذه المخلوقات بالاستعدادات والمقدرات التي أوتيتها . وبخاصة الإنسان . الذي استخلف في الأرض ، وأوتي القدرة على التحليل والتركيب ، وعلى الإنتاج والإنماء ، وعلى تعديل وجه الأرض ، وعلى تطوير أوضاع الحياة ؛ بينما هو يسعى لتحصيل الرزق ، الذي لا يخلقه هو خلقا ، وإنما ينشئه مما هو مذخور في هذا الكون من قوى وطاقات أودعها الله ؛ بمساعدة النواميس الكونية الإلهية التي تجعل هذا الكون يعطي مدخراته وأقواته لكافة الأحياء !
وليس المقصود أن هناك رزقا فرديا مقدرا لا يأتي بالسعي ، ولا يتأخر بالقعود ، ولا يضيع بالسلبية والكسل ، كما يعتقد بعض الناس ! وإلا فأين الأسباب التي أمر الله بالأخذ بها ، وجعلها جزءا من نواميسه ؟ وأين حكمة الله في إعطاء المخلوقات هذه المقدرات والطاقات ؟ وكيف تترقى الحياة في مدارج الكمال المقدر لها في علم الله ، وقد استخلف عليها الإنسان ليؤدي دوره في هذا المجال ؟
إن لكل مخلوق رزقا . هذا حق . وهذا الرزق مذخور في هذا الكون . مقدر من الله في سننه التي ترتب النتاج على الجهد . فلا يقعدن أحد عن السعي وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة . ولكن السماء والأرض تزخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات . حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحابي أحدا ، ولا تتخلف أو تحيد .
إنما هو كسب طيب وكسب خبيث ، وكلاهما يحصل من عمل وجهد . إلا أنه يختلف في النوع والوصف . وتختلف عاقبة المتاع بهذا وذاك .
ولا ننسى المقابلة بين ذكر الدواب ورزقها هنا ؛ وبين المتاع الحسن الذي ذكر في التبليغ الأول . والسياق القرآني المحكم المتناسق لا تفوته هذه اللفتات الأسلوبية والموضوعية ، التي تشارك في رسم الجو في السياق وهاتان الآيتان الكريمتان هما بدء تعريف الناس بربهم الحق الذي عليهم أن يدينوا له وحده . أي أن يعبدوه وحده . فهو العالم المحيط علمه بكل خلقه ، وهو الرازق الذي لا يترك أحدا من رزقه . وهذه المعرفة ضرورية لعقد الصلة بين البشر وخالقهم ؛ ولتعبيد البشر للخالق الرازق العليم المحيط .
قوله تعالى : " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " " ما " نفي و " من " زائدة و " دابة " في موضع رفع ، التقدير : وما دابة . " إلا على الله رزقها " " على " بمعنى " من " ، أي من الله رزقها ، يدل عليه قول مجاهد : كل ما جاءها من رزق فمن الله . وقيل : " على الله " أي فضلا لا وجوبا . وقيل : وعدا منه حقا . وقد تقدم بيان هذا المعنى في " النساء{[8601]} " وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء . " رزقها " رفع بالابتداء ، وعند الكوفيين بالصفة ، وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوصي ؛ لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق . وقيل : هي عامة في كل{[8602]} دابة : وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها ، ووجه النظم به قبل : أنه سبحانه أخبر برزق الجميع ، وأنه لا يغفل عن تربيته ، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم ؟ ! والدابة كل حيوان يدب . والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي ، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده . ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك ؛ لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها ، وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال : إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل . وقال تعالى : " وفي السماء رزقكم{[8603]} " [ الذاريات : 22 ] وليس لنا في السماء ملك ، ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره ، وذلك محال ؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه . وقد تقدم في " البقرة{[8604]} " هذا المعنى والحمد لله . وقيل لبعضهم : من أين تأكل ؟ وقال : الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين ، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق . وقيل لأبي أسيد : من أين تأكل ؟ فقال : سبحانه الله والله أكبر ! إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد ! . وقيل لحاتم الأصم : من أين تأكل ؟ فقال : من عند الله ، فقيل له : الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء ؟ فقال : كأن ماله إلا السماء ! يا هذا الأرض له والسماء له ، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض ، وأنشد :
وكيف أخاف الفقر والله رازقي *** ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم *** وللضبِّ في البيداء والحوت في البحر
وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " بإسناده عن زيد بن أسلم : أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم ، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا{[8605]} من الزاد ، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين " فقال الرجل : ما الأشعريون بأهون الدواب على الله ، فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لأصحابه : أبشروا أتاكم الغوث ، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينها مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاؤوا ، ثم قال بعضهم لبعض : لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته ، فقالوا للرجلين : اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا ، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به ، قال : ( ما أرسلت إليكم طعاما ) فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع ، وما قال لهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك شيء رزقكموه الله ) .
قوله تعالى : " ويعلم مستقرها " أي من الأرض حيث تأوي إليه . " ومستودعها " أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن ، قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقال الربيع بن أنس : " مستقرها " أيام حياتها . " ومستودعها " حيث تموت وحيث تبعث . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : " مستقرها " في الرحم " ومستودعها " في الصلب . وقيل : " يعلم مستقرها " في الجنة أو النار . " ومستودعها " في القبر ، يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار : " حسنت مستقرا ومقاما " [ الفرقان : 76 ] " ساءت مستقرا ومقاما{[8606]} " [ الفرقان : 66 ] . " كل في كتاب مبين " أي في اللوح المحفوظ .
{ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } وعد وضمان صادق ؛ فإن قيل : كيف قال : على الله بلفظ الوجوب وإنما هو تفضل ، لأن الله لا يجب عليه شيء ؟ فالجواب : أنه ذكره كذلك تأكيدا في الضمان ، لأنه لما وعد به صار واقعا لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد .
{ ويعلم مستقرها ومستودعها } المستودع صلب الأب والمستقر بطن المرأة ، وقيل : المستقر المكان في الدنيا والمستودع القبر .