في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} (2)

1

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم . نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ، وأنزل الفرقان . إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ، والله عزيز ذو انتقام . إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم . هو الذي أنزل عليك الكتاب : منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله - وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون : آمنا به ، كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولو الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة ، إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، إن الله لا يخلف الميعاد ) . .

هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي [ ص ] وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من الله ، كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين . لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل !

هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع ، الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم ، أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمدا . والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها . والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات الله وموقف أهل الزيغ والانحراف ! والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه ، وتضرعهم له ، ومعرفتهم بصفاته تعالى :

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . .

وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد ، سواء منها عقائد الملحدين والمشركين ، وعقائد أهل الكتاب المنحرفين : يهودا أو نصارى . على اختلاف مللهم ونحلهم جميعا . كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض . فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديدا كاملا دقيقا .

( الله لا إله إلا هو ) . . فلا شريك له في الألوهية . . ( الحي ) . . الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته . . ( القيوم ) . . الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود ؛ والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود . فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه .

وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد . ومفرق الطريق في الحياة والسلوك .

مفرق الطريق في التصور والاعتقاد . بين تفرد الله - سبحانه - بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية : سواء في ذلك تصورات المشركين - وقتها في الجزيرة - وتصورات اليهود والنصارى - وبخاصة تصورات النصارى .

ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون : عزير ابن الله . كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم " الكتاب المقدس " يتضمن شيئا كهذا . كما جاء في سفر التكوين : الإصحاح السادس .

فأما انحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم : إن الله ثالث ثلاثة . وقولهم : إن الله هو المسيح بن مريم . واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله . واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله . .

وقد جاء في كتاب " الدعوة إلى الإسلام " تأليف أرنولد ، شيء عن هذه التصورات . .

ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة . ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته ، وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك ، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة . أما هرقل فقد بذل جهودا لم تصادف نجاحا كاملا في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية . ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا من القضاء عليه . ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية . فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ؛ وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية ، وبينهم وبين الحكومة المركزية . . وكان مجمع خلقيدونية قد اعلن في سنة 451 ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين لا اختلاط بينهما ، ولا تغير ، ولا تجزؤ ، ولا انفصال . ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما . بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ؛ وتجتمع في أقنوم واحد ، وجسد واحد . لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين . بل متجمعة في أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة . . وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع ، وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة . وقالوا : إنه مركب الأقانيم . له كل الصفات الإلهية والبشرية . ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية . بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم . . وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية ، في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة . ففي الوقت الذي نجد فيه هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين ، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية . وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد . فالمسيح الواحد ، الذي هو ابن الله ، يحقق الجانب الإنساني والجانب الإلهي بقوة إلهية إنسانية واحدة . ومعنى هذا أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة . . لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جدا ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام . ذلك بأن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب ، بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد ، وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء "

كذلك يقول باحث مسيحي آخر هو " كانون تايلور " عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية : " وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة " .

أما انحرافات عقائد المشركين فقد حكى القرآن عنها : عبادتهم للجن والملائكة والشمس والقمر والأصنام . وكان أقل عقائدهم انحرافا عقيدة من يقولون عن هذه الآلهة : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) !

فأمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة - ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة :

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .

فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد . . كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك . .

إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي لا إله إلا هو . الحي الواحد الذي لا حي غيره . القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود ، كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود . .

إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته ، لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة . فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته !

إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله . ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله . لا في شريعة أو نظام ، ولا في أدب أو خلق . ولا في اقتصاد أو اجتماع . ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شؤون الحياة ، وما بعد الحياة . . أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار ، ولا حدود لحرام أو حلال ، ولا لخطأ أو صواب : في شرع أو نظام ، في أدب أو خلق ، وفي معاملة أو سلوك . . فكلها . . كلها . . إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي ، وإليها التوجه ، ولها الطاعة والعبودية والاستسلام .

ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق :

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . .

ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية - لا لطبيعة الاعتقاد وحده - فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم . التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة . من تلقي الشريعة والتوحيد من الله في كل شأن من شؤون الحياة . والتوجه كذلك إلى الله في كل نشاط وكل اتجاه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} (2)

فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله : " ألم الله لاإله إلا هو الحي القيوم " هذه السورة مدنية بإجماع . وحكى النقاش أن اسمها في التوراة طَيْبة ، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وعاصم بن أبي النجود وأبو جعفر الرؤاسي{[2805]} " الم . ألله " بقطع ألف الوصل ، على تقدير الوقف على " الم " كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد في نحو واحد ، اثنان ، ثلاثة ، أربعة ، وهم واصلون . قال الأخفش سعيد : ويجوز " الم الله " بكسر الميم لالتقاء الساكنين . قال الزجاج : هذا خطأ ، ولا تقوله العرب لثقله . قال النحاس : القراءة [ الأولى ]{[2806]} قراءة العامة ، وقد تكلم فيها النحويون القدماء ، فمذهب سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين ، واختاروا لها الفتح لئلا يجمع بين كسرة وياء وكسرة قبلها . وقال الكسائي : حروف التهجي إذا لقيتها ألف وصل فحذفت ألف الوصل حركتها بحركة الألف فقلت : الم الله ، والم اذكر ، والمِ اقتربت . وقال الفراء : الأصل " الم ألله " كما قرأ الرؤاسي فألقيت حركة الهمزة على الميم . وقرأ عمر بن الخطاب " الحي القيَّام " . وقال خارجة : في مصحف عبد الله " الحي القيِّم " . وقد تقدم ما للعلماء [ من آراء ]{[2807]} في الحروف التي في أوائل السور في أول " البقرة " {[2808]} . ومن حيث جاء في هذه السورة : " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها .

الثانية : روى الكسائي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى العشاء فاستفتح " آل عمران " فقرأ " آلم . الله لا إله إلا هو الحي القيام " فقرأ في الركعة الأولى بمائة آية ، وفي الثانية بالمائة الباقية . قال علماؤنا : ولا يقرأ سورة في ركعتين ، فإن فعل أجزأه . وقال مالك في المجموعة : لا بأس به ، وما هو بالشأن .

قلت : الصحيح جواز ذلك . وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأعراف في المغرب فرقها في ركعتين ، خرجه النسائي أيضا ، وصححه أبو محمد عبد الحق ، وسيأتي .

الثالثة : هذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار ، فمن ذلك ما جاء أنها أمان من الحيات ، وكنز للصعلوك ، وأنها تحاج عن قارئها في الآخرة ، ويكتب لمن قرأ آخرها في ليلة كقيام ليلة ، إلى غير ذلك . ذكر الدارمي أبو محمد في مسنده حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني عبيدالله الأشجعي قال : حدثني مسعر قال حدثني جابر{[2809]} ، قبل أن يقع فيما وقع فيه ، عن الشعبي قال : قال عبد الله : ( نِعم كنز الصعلوك سورة " آل عمران " يقوم بها في آخر الليل ) حدثنا محمد بن سعيد حدثنا عبد السلام عن الجريري{[2810]} عن أبي السليل{[2811]} قال : أصاب رجل دما قال : فأوى إلى وادي مَجَنّّة : واد لا يمشي فيه أحد إلا أصابته حية ، وعلى شفير الوادي راهبان ، فلما أمسى قال أحدهما لصاحبه : هلك والله الرجل ! قال : فافتتح سورة " آل عمران " قالا : فقرأ سورة طيبة لعله سينجو . قال : فأصبح سليما . وأسند عن مكحول قال : ( من قرأ سورة " آل عمران " يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل ) . وأسند عن عثمان بن عفان قال : ( من قرأ آخر سورة " آل عمران " في ليلة كتب له قيام ليلة ) في طريقه ابن لهيعة . وخرج مسلم عن النواس بن سمعان الكلابي قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران ) ، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد ، قال : - كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق{[2812]} ، أو كأنهما حِزْقان{[2813]} من طير صواف تحاجان عن صاحبهما . وخرج أيضا عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران ، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غَيَايَتَان أو كأنهما فِرْقَان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البَطَلة ) . قال معاوية{[2814]} : وبلغني أن البطلة السحرة .

الرابعة : للعلماء في تسمية " البقرة وآل عمران " بالزهراوين ثلاثة أقوال :

الأول : إنهما النَّيِّرتان ، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرة ؛ فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما ، أي من معانيهما .

وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة ، وهو القول الثاني .

الثالث : سميتا بذلك ؛ لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم ، كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم{[2815]} والتي في آل عمران الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) أخرجه ابن ماجه أيضا . والغمام : السحاب الملتف ، وهو الغَيَاية إذا كانت قريباً من الرأس ، وهي الظلة أيضا . والمعنى : إن قارئهما في ظل ثوابهما ، كما جاء ( الرجل في ظل صدقته ){[2816]} وقوله : ( تحاجان ) أي يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة كما جاء في بعض الحديث : ( إن من قرأ " شهد الله أنه لا إله إلا هو . . . " الآية خلق الله سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة ) . وقوله : ( بينهما شَرْقٌ ) قُيِّد بسكون الراء وفتحها وهو تنبيه على الضياء ، لأنه لما قال : ( سوداوان ) قد يتوهم أنهما مظلمتان ، فنفى ذلك . بقوله : ( بينهما شَرْقٌ ) . ويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب . والله أعلم .

الخامسة : صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران فيما ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ستين راكبا ، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا ، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم : العاقب{[2817]} أمير القوم ، وذو آرائهم واسمه عبد المسيح ، والسيد ثِمَالُهم{[2818]} وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم ، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر ، عليهم ثياب الحِبَرات{[2819]} جُبَب وأرْدية فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة . وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشرق . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( دعوهم ) . ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ابن الله ، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة ، ورسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون ، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية ، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة{[2820]} ، حسب ما هو مذكور في سيرة ابن إسحاق{[2821]} وغيره .


[2805]:- في القاموس وشرحه (مادة رأس): "وبنو رؤاس (بالضم): حي من عامر بن صعصعة، قال الأزهري: وكان أبو عمر الزاهد يقول في أبي جعفر الرؤاسي أحد القراء والمحدثين أنه الرواسي، بفتح الراء وبالواو من غير همز، منسوب إلى رواس قبيلة من سليم، وكان ينكر أن يقول الرؤاسي بالهمزة كما يقوله المحدثون وغيرهم. قلت: ويعني بأبي جعفر هذا محمد بن سادة الرواسي، ذكر ثعلب أنه أول من وضع نحو الكوفيين، وله تصانيف".
[2806]:- التكملة عن إعراب القرآن للنحاس.
[2807]:- زيادة يقتضيها السياق.
[2808]:- راجع جـ1 ص 154.
[2809]:- هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي. توفي سنة 128 هـ. قال ابن سعد: كان يدلس وكان ضعيفا جدا في رأيه وروايته. وقال العجلي: كان ضعيفا يغلو في التشيع. وقال أبو بدر: كان جابر يهيج به مرة في السنة مرة فيهذي ويخلط في الكلام. فلعل ما حكي عنه كان في ذلك الوقت. وقال الأشجعي مبينا ما وقع فيه بأنه ما كان من تغير عقله. (عن تهذيب التهذيب).
[2810]:- الجريري: بضم الجيم وفتح الراء الأولى وكسر الثانية وسكون ياء بينهما، وهو سعيد بن إياس، ينسب إلى جرير بن عباد. (عن تهذيب التهذيب).
[2811]:- أبو السليل (بفتح المهملة وكسر اللام) هو ضريب (بالتصغير) بن نفير، ويقال نفيل. (عن تهذيب التهذيب).
[2812]:- الشرق: الضوء. وسكون الراء فيه أشهر من فتحها.
[2813]:- في الأصول: "فرقان" بالفاء. والتصويب عن صحيح مسلم. والفرق: القطعة. والحزق والحزيقة: الجماعة من كل شيء.
[2814]:- هو معاوية بن سلام أحد رجال سند هذا الحديث.
[2815]:- راجع جـ2 ص 190.
[2816]:- كذا في نسخة: جـ وهو الصحيح، وكشف الخفاء جـ1 ص 424، وفي الأصول الأخرى: إن المؤمن.
[2817]:- السيد والعاقب هما من رؤسائهم وأصحاب مراتبهم، والعاقب يتلو السيد.
[2818]:- الثمال (بالكسر). الملجأ والغياث والمطعم في الشدة.
[2819]:- الحبرات (بكسر الحاء وفتح الباء جمع حيرة): ضرب من الثياب اليمانية.
[2820]:- في الأصول: الابتهال، والصواب ما اثبت، بأهل القوم بعضهم بعضا وتباهلوا وتبهلوا: تلاعنوا. والمباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.
[2821]:- راجع سيرة ابن هشام ص 401 طبع أوربا.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ} (2)

{ الحي القيوم } رد على النصارى في قولهم إن عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب ، فليس بحي وليس بقيوم .