( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) . .
يا للسخرية ! فالصبر الآن صبر على النار ؛ وليس الصبر الذي يعقبه الفرج وحسن الجزاء . إنه الصبر الذي جزاؤه النار قراراً ومثوى يسوء فيه الثواء !
( وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ) . .
فما عاد هناك عتاب ، وما عاد هناك متاب . وقد جرت العادة أن الذي يطلب العتاب يطلب من ورائه الصفح والرضى بعد إزالة أسباب الجفاء . فاليوم يغلق الباب في وجه العتاب . لا الصفح والرضى الذي يعقب العتاب !
وإن يستعتبوا : وإن يطلبوا الرضا عنهم ، أو قبول عذرهم .
فما هم من المعتبين : فما هم من المجابين إلى ما يسألون .
24- { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } .
أي : لا أمل في الخلاص ، فقد أوصدت عليهم جهنم ، والصبر وعدم الصبر سواء ، فإن امتنعوا عن الشكوى ، ولاذُوا بالصبر والصمت فالنار مقرهم الدائم ، ودار الثواء والإقامة الأبدية ، وإن طلبوا العتبى والرجاء في الصفح والعفو وقبول أعذارهم ، لم يجدوا من يستجيب لهم .
وفي هذا المعنى يقول القرآن الكريم على لسانهم : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . ( إبراهيم : 21 ) .
ومعنى قوله تعالى : { وإن يستعتبوا } . أي يسألوا الرجعة إلى الدنيا ، فلا جواب لهم ، قال : وهذا كقوله تعالى إخبارا عنهم : { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون *قال اخسئوا فيها ولا تكلمون } . ( المؤمنون : 106-108 ) .
{ فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ } أي محل ثواء وإقامة أبدية لهم بحيث لا براح لهم منها ، وترتيب الجزاء على الشرط لأن التقدير إن يصبروا والظن أن الصبر ينفعهم لأنه مفتاح الفرج لا ينفعهم صبرهم إذا لم يصادف محله فإن النار محلهم لا محالة ، وقيل : في الكلام حذف والتقدير أو لا يصبروا كقوله تعالى : { اصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ } [ الطور : 16 ] وقيل : المراد فإن يصبروا على ترك دينك واتباع هواهم فالنار مثوى لهم وليس بذاك ، والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ويحكي سوء حالهم للغير أو للإشعار بإبعادهم عن حيز الخطاب وإلقائهم في غيابة دركات النار { وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ } أي يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبونه جزعاً مما هم فيه { فَمَا هُم مّنَ المعتبين } أي المجابين إليها .
وقال الضحاك : المراد إن يعتذروا فما هم من المعذورين : وقرأ الحسن . وعمرو بن عبيد . وموسى الأسواري { وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ } مبنياً للمفعول { فَمَا هُم مّنَ المعتبين } اسم فاعل أي إن طلب منهم أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون ولا يكون ذلك لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال كما قال صلى الله عليه وسلم : «ليس بعد الموت مستعتب » ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى قوله عز وجل : { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }
{ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } فلا جَلَدَ عليها ، ولا صبر ، وكل حالة قُدِّر إمكان الصبر عليها ، فالنار لا يمكن الصبر عليها ، وكيف الصبر على نار ، قد اشتد حرها ، وزادت على نار الدنيا ، بسبعين ضعفًا ، وعظم غليان حميمها ، وزاد نتن صديدها ، وتضاعف برد زمهريرها وعظمت سلاسلها وأغلالها ، وكبرت مقامعها ، وغلظ خُزَّانها ، وزال ما في قلوبهم من رحمتهم ، وختام ذلك سخط الجبار ، وقوله لهم حين يدعونه ويستغيثون : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ }
{ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا } أي : يطلبوا أن يزال عنهم العتب ، ويرجعوا إلى الدنيا ، ليستأنفوا العمل . { فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } لأنه ذهب وقته ، وعمروا ، ما يعمر فيه من تذكر وجاءهم النذير وانقطعت حجتهم ، مع أن استعتابهم ، كذب منهم { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }
قوله : { فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } أي فإن يصبر هؤلاء الخاسرون في النار أولا يصبروا فيجزعوا { فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } أي فإنهم ماكثون في النار لا يبرحونها ولا يخرجون منها .
قوله : { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } أي إن يطلبوا الرجوع إلى الدنيا لا يجابوا ولا هم براجعين ، والاسم العُتْبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب ، واستعتب وأعتب بمعنى ، أي طلب أن يُعْتب ، تقول : استعْتَبْتَه فأعْتَبه ، أي استرضاه فأرضاه{[4054]} .
وعلى هذا فإن المعنى { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا } أي إن يطلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل إن مصيرهم إلى النار لا محالة{[4055]} .