وهنا تظهر شخصية " المرأة " من وراء شخصية الملكة . المرأة التي تكره الحروب والتدمير ، والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل أن تنضي سلاح القوة والمخاشنة :
قالت : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون . وإني مرسله إليهم بهدية فناظره بم يرجع المرسلون !
فهي تعرف أن من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية [ والقرية تطلق على المدينة الكبيرة ] أشاعوا فيها الفساد ، وأباحوا ذمارها ، وانتهكوا حرماتها ، وحطموا القوة المدافعة عنها ، وعلى رأسها رؤساؤها ؛ وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة . وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه .
والهدية تلين القلب ، وتعلن الود ، وقد تفلح في دفع القتال . وهي تجربة . فإن قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا ، ووسائل الدنيا إذن تجدي . وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة ، الذي لا يصرفه عنه مال ، ولا عرض من أعراض هذه الأرض .
ويقال إِنَّ : { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } مِنْ قوْلِها .
ويقال : تغييرُ الملوك إذا دخلوا قريةً - عن صفتها - معلومٌ ، ثم يُنْظَر . . . فإن كان الداخِلُ عادلاً أزال سُنَّةَ الجَوْرِ ، وأثبت سُنَّةَ العَدْلِ ، وإِنْ كان الداخلُ جائراً أزال الحَسَنَ وأثبت الباطلَ . هذا معلوم ؛ فإنَّ خرابَ البلادِ بولاةِ السُّوءِ ، حيث يستولي أسافلُ الناس وأَسقاطُهم على الأعزة منهم ، وكما قيل :
يا دولة ليس فيها *** من المعالي شظيهْ
زولي فما أنتِ إِلاّ *** عل الكرام بليهْ
وعمارة الدنيا بولاة الرُّشْدِ ، يكسرون رقابَ الغاغة ، ويُخَلِّصُون الكرامَ من أَسْرِ السِّفْلة ، ( ويأخذ القوس باريها ) ، وتطلع شمسُ العدل من برج شرفها . . . كذلك المعرفةُ والخصالُ المحمودة إذا باشَرَتْ قلبَ عبدٍ أخرجت عنه الشهواتِ والمُنى ، وسفاسفَ الأخلاقِ من الحقد والحسد والشُّحِّ وصِغَرِ الهمة . . . وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتُثْبِتُ بَدَلَها من الأحوال العَلِيَّةِ والأوصاف المَرْضِيَّةِ ما به نظامُ العبد وتمامُ سعادته . ومتى استولت على قلبٍ غاغةُ النَّفسِ والخصالُ المذمومة أزالت عنه عمارته ، وأَبْطَلَتْ نضارتَه ، فتخرب أوطانُ الحقائق ، وتتداعى مساكنُ الأوصاف الحميدة للأفوال ، وعند ذلك ، يَعْظُم البلاءُ وتتراكم المِحَنُ .
دخلوا قرية : محاربين منتصرين .
أفسدوها : خرّبوها وقلبوا أوضاعها ، وأتلفوا عمرانها .
أذلة : مهانين بالقتل والأسر ، جمع ذليل .
34-{ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون }
قالت بلقيس للملأ من قومها ، وقد أحسّت منهم الرغبة في الحرب : لا طاقة لنا بحرب سليمان الملك ، فالملوك عادة إذا دخلوا بلدا فاتحين منتصرين ، أو غزاة قاهرين ، فإنهم يفسدون هذا البلد ، بقتل الملوك والقادة وأسرهم ، أو نفيهم وإخراجهم من البلد .
{ وجعلوا أعزة أهلها أذلة . . } أنزلوا الملوك والقادة والوزراء والأمراء من منازلهم ، وحوّلوهم إلى مشردين مأسورين مطرودين ، فإهانة الأشراف وتبديل القيادات ، أمر مستمر لهم ليضمنوا استمرار سيطرتهم على البلد ، { وكذلك يفعلون } وهذا شأنهم وديدنهم ، في كل وقت وحين .
قوله تعالى : { قالت } بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال : { إن الملوك إذا دخلوا قرية } عنوة ، { أفسدوها } خربوها ، { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } أي : أهانوا أشرافها وكبراءها ، كي يستقيم لهم الأمر ، تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم ، وتناهي الخبر عنها ها هنا ، فصدق الله قولها فقال : { وكذلك يفعلون } أي : كما قالت هي يفعلون .
قوله : { قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } قالت بلقيس لمن حولها من الحاشية والأشراف عقب عرضهم أنفسهم عليها لقتال سليمان : إن الملوك إذا دخلوا بلدا أو مدينة عنوة وقهرا { أَفْسَدُوهَا } بالقتل والتخريب والإذلال . وهو قوله : { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } أي أهانوا أشرافها وكبراءها فجعلوهم أذلة مقهورين { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } هذا من قول بلقيس ، تأكيدا لما قالته عن إفساد الملوك لما يحتلونه ويقهرونه من البلاد والعباد .
وقيل : هذا من قول الله ، إذ يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم وأمته ما يفعله الملوك إذ غلبوا أهل القرية ودخلوها عنوة ، وإنما يفعل ذلك من الملوك الذين يحكمون بشرائع الضلال والجاهلية ، الشرائع القائمة على الظلم والشر والباطل ، والتي تسوّل للساسة والأمراء والملوك الطغاة أن يفعلوا الآثام والمنكرات والمعاصي . أولئك هم ملوك الضلال والباطل الذين يشاقون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا ، ويسوسون الناس بغير ما أنزل الله بل يسوسونهم بالكفر وأنظمة الجاهلية ، ويقودونهم بالبطش والتنكيل . أما الملوك الذين يخشون ربهم يحكمون الناس بشريعة الله ، شريعة العدل والفضل والرحمة والاستقامة . فأولئك لا يفسدون البلاد ولا يسعون في خرابها وتدميرها بل ينشرون فيها الخير والفضيلة والهداية . ويرسخون فيها العدل والرحمة والاستقرار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.