ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه ، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ : ( ويخرون للأذقان يبكون ) . . ( ويزيدهم خشوعا ) فوق ما استقبلوه به من خشوع .
إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة ، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه ؛ العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله . والعلم المقصود هو ما أنزله الله من الكتاب قبل القرآن ، فالعلم الحق هو ما جاء من عند الله .
تأثيره في قلوب قوم يختلف ؛ فتأثير السماع في قلوب العلماء بالتبصُّر ، وتأثير السماع في أنوار الموحِّدين بالتحير ؛ تبصُّر العلماء بصحة الاستدلال ، وتحيُّر الموحدين في شهود الجمال والجلال .
وبكاء كل واحدٍ على حسب حاله : فالتائب يبكي لخوف عقوبته لما أَسْلَفَهُ من زَلَّته وحَوْبته ، والمطيعُ يبكي لتقصيره في طاعته ، ولكيلا يفوته ما يأمله من مِنَّتِه .
وقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم .
وآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين . وآخرون يبكون تحسراً على ما يفوتهم من الحق .
والبكاء عند الأكابر معلول ، وهو في الجملة يدل على ضعف حال الرجل ، وفي معناه أنشدوا :
خُلِقْنا رجالاً للتجلدِ والأَسَى *** وتلك الغواني للبُكا والمآتِم
109- { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } .
ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم على الوجوه سجدا ، باكين من خوف الله ، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا وخضوعا لأمر الله وطاعته .
إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة ، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه ؛ العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله{[519]} .
قال النسفي : ومعنى الخرور للذقن : السقوط على الوجه كما خص الذقن ، لأن أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض عند السجود الدقن .
وفي حاشية الجمل : فالخرور الأول للسجود ، والآخر لشدة البكاء . أو الأول : في حالة سماع القرآن أو قراءته ، والثاني : في سائر الحالات{[520]} أو المراد : أن السجود يتكرر منهم في حالات متعددة ؛ خشوعا لله واعترافا بفضله .
دل نعت هؤلاء ومدحهم بخرورهم باكين ؛ على استحباب البكاء والتخشع ، فإن كل ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله تعالى بها من أحبه من عباده ، يلزم الاتصاف بها ، كما أن ما ذم منها من مقته منهم ، يجب اجتنابه{[521]} .
وقد ذكر الإمام الغزالي في ( الإحياء ) : أن من آداب التلاوة البكاء مستحب مع القراءة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ){[522]} . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قرأتم سجدة سبحان ؛ فلا تجلوا بالسجود حتى تبكوا ، فإن لم تبك عين أحدكم ؛ فليبك قلبه ، وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن . فمن الحزن ينشأ البكاء ، ووجه إحضار الحزن ، أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد ، والمواثيق والعهود ، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره ، فيحزن لا محالة ويبكي . فإن لم يحضره ؛ حزن وبكاء ، كما يحضر أرباب القلوب الصافية ، فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب .
وقد روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ){[523]} .
وروى الترمذي عن ابن عباس : قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( عينان لا تمسهما النار ، عين بكت من خشية الله تعالى ، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى ){[524]} .
وأخرج مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ، ولا اجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم ){[525]} .
قوله تعالى : { ويخرون للأذقان يبكون } أي : يقعون على الوجوه يبكون ، البكاء مستحب عند قراءة القرآن ، { ويزيدهم } ، نزول القرآن ، { خشوعاً } ، خضوعاً لربهم . نظيره قوله تعالى : { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً } [ مريم – 58 ] .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنبأنا أبو عمروا بن بكر محمد المزني ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد ، حدثنا الحسن بن الفضل البجلي ، أنبأنا عاصم ، عن علي بن عاصم ، حدثنا المسعودي ، هو عبد الرحمن بن عبد الله ، عن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً " .
أخبرنا أبو القاسم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أنبأنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن ، أنبأنا أحمد بن بكر بن محمد بن حمدان ، حدثنا محمد بن يونس الكديمي ، أنبأنا عبد الله بن محمد الباهلي ، حدثنا أبو حبيب الغنوي ، حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حرمت النار على ثلاث أعين : عين بكت من خشية الله ، وعين سهرت في سبيل الله ، وعين غضت عن محارم الله " .