143-144- { فلولا أنه كان المسبحين* للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } .
أي : لولا أنه كان كثير التسبيح والذكر لله تعالى لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم البعث ، وهو يوم القيامة ، والمراد من التسبيح : مطلق الذكر لله تعالى .
وقال النيسابوري في تفسير الآية :
الأظهر أن المراد بالتسبيح هو ما ذكره الله تعالى في قوله : { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } . [ الأنبياء : 87 ، 88 ] .
وفي النص حثّ على مداومة ذكر الله ، والالتجاء إليه .
وقد قيل في الأثر : " تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة " {[558]} .
وقد اختلف في مدة مكث يونس في بطن الحوت ، فقيل : أربعون يوما ، وقيل : عشرون ، وقيل سبعة ، وقيل : ثلاثة ، وقيل : لم يمكث إلا قليلا ثم أُخرج من بطنه عقب الوقت الذي التقم فيه .
والرأي الأخير هو الأرجح لأنه هو الذي يساعد عليه السياق ، لأن الله عطف النجاة بالفاء ، فقال سبحانه وتعالى : { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } . والفاء تدل على الترتيب والتعقيب ، ولأن رحمة الله قريب من المحسنين ، ولأن الله قال في سياق آخر : { فاستجبنا له ونجيناه من الغم . . . } [ الأنبياء : 88 ] . ولأن الله قريب من عباده .
وقد ورد في الحديث الشريف الذي أورده النيسابوري وغيره من المفسرين : " إن دعاء يونس في بطن الحوت صعد إلى العرش فسمعته الملائكة ، وكان صوتا ضعيفا ، فشفعوا له ، فأمر الله الحوت فقذفه بالساحل "
وروى عطاء : أنه حين ابتلع الحوت يونس ، أوحى الله تعالى إلى الحوت : أن قد جعلت بطنك له سجنّا ، ولم أجعله لط طعاما ، والمراد أن الله ألهم الحوت ذلك ، وحبس جهازه الهضمي عن هضمه والله أعلم .
قوله تعالى : { فلولا أنه كان من المسبحين } من الذاكرين الله قبل ذلك ، وكان كثير الذكر ، وقال ابن عباس : من المصلين . وقال وهب : من العابدين . وقال الحسن : ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً . وقال الضحاك : شكر الله تعالى له طاعته القديمة . وقيل : ( ( فلولا أنه كان من المسبحين ) ) في بطن الحوت . قال سعيد بن بن جبير : يعني قوله : { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } .
{ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أى : فلولا أن يونس - عليه السلام - كان من المسبحين لله - تعالى - المداومين على ذكره . لولا هذا التسبيح للبث يونس فى تفريج الكروب ، وإزالة الهموم ، بإذن الله ورحمته . وفى الحديث الشريف : " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .
ورحم الله الإِمام القرطبى فقد قال : " أخبر الله - عز وجل - أن يونس كان من المسبحين ، وأن تسبيحه كان سبب نجاته ، ولذا قيل : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثَر .
وفى الحديث الشريف : " من استطاع منكم أن تكون له خبيثة من عمل صالح فليفعل " فليجتهد العبد ، ويحرص على خصلة من صالح عمله ، يخلص فيها بينه وبين ربه ، ويدخرها ليوم فاقته وفقره ، ويسترها عن خلق الله ، لكى يصل إليه نفعها وهو أحوج ما يكون إليه .
قوله : { فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } يعني لولا أن يونس كان من المصلين لله لبقي رهين الحبس في بطن الحوت حتى تقوم الساعة . وقيل : لولا ما تقدم له من صالح الأعمال في الرخاء ، أي قبل ابتلائه بالحوت للبث في بطنه إلى يوم القيامة عقوبة له ، فيكون بعض الحوت له قبرا إلى يوم البعث .
واللهُ جل جلاله يدفع الشدائد والنائبات عن عباده المؤمنين الذين سبقت لهم الطاعات والصالحات في أوقات الرخاء . فما يكون العبد المؤمن منيبا إلى ربه مطيعا لأمره في أحواله المعتادة من الراحة والأمن إلا كفّ الله عنه البلايا والمحن أو هونها عليه تهوينا . وفي حديث ابن عباس : " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة " .