في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ} (24)

ثم مشهد من مشاهد القيامة يتجلى فيه الإكرام والهوان ، في صورة واقع يشهد كأنه معروض للعيان :

هذا خصمان اختصموا في ربهم . فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ، يصب من فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ؛ ولهم مقامع من حديد ، كلما أرادوا أن يخرجوا منها - من غم - أعيدوا فيها . وذوقوا عذاب الحريق . إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ، يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير .

إنه مشهد عنيف صاخب ، حافل بالحركة ، مطول بالتخييل الذي يبعثه في النفس نسق التعبير . فلا يكاد الخيال ينتهي من تتبعه في تجدده . .

هذه ثياب من النار تقطع وتفصل ! وهذا حميم ساخن يصب من فوق الرؤوس ، يصهر به ما في البطون والجلود عند صبه على الرؤوس ! وهذه سياط من حديد أحمته النار . . وهذا هو العذاب يشتد ، ويتجاوز الطاقة ، فيهب ( الذين كفروا )من الوهج والحميم والضرب الأليم يهمون بالخروج من هذا( الغم )وها هم أولاء يردون بعنف ، ويسمعون التأنيب : ( وذوقوا عذاب الحريق ) . .

ويظل الخيال يكرر هذه المشاهد من أولى حلقاتها إلى أخراها ، حتى يصل إلى حلقة محاولة الخروج والرد العنيف ، ليبدأ في العرض من جديد !

ولا يبارح الخيال هذا المشهد العنيف المتجدد إلا أن يلتفت إلى الجانب الآخر ، الذي يستطرد السياق إلى عرضه . فأصل الموضوع أن هناك خصمين اختصموا في ربهم . فأما الذين كفروا به فقد كنا نشهد مصيرهم المفجع منذ لحظة ! وأما الذين آمنوا فهم هنالك في الجنات تجري من تحتها الأنهار . وملابسهم لم تقطع من النار ، إنما فصلت من الحرير . ولهم فوقها حلى من الذهب واللؤلؤ . وقد هداهم الله إلى الطيب من القول ، وهداهم إلى صراط الحميد . فلا مشقة حتى في القول أو في الطريق . . والهداية إلى الطيب من القول ، والهداية إلى صراط الحميد نعمة تذكر في مشهد النعيم . نعمة الطمأنينة واليسر والتوفيق .

وتلك عاقبة الخصام في الله . فهذا فريق وذلك فريق . . فليتدبر تلك العاقبة من لا تكفيه الآيات البينات ، ومن يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ} (24)

الطيبُ من القول ما صَدَر عن قلبٍ خالصٍ ، وسِرٍّ صافٍ مما يَرْضَى به علم التوحيد ، فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول .

ويقال الطيب من القول ما يكون وعظاً للمسترشدين ، ويقال الطيبُ من القول هو إرشاد المريدين إلى الله .

ويقال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ويقال الدعاء للمسلمين .

ويقال كلمة حقٍ عند من يُخَافُ ويُرْجَى .

ويقال الشهادتان عن قلبٍ مخلص .

ويقال ما كان قائله فيه مغفوراً وهو مُسْتَنْطَقٌ .

ويقال هو بيان الاستغفار والعبد برئٌ من الذنوب .

ويقال الإقرار بقوله : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } { الأعراف : 23 ] .

ويقال أَنْ تَدْعُوَ للمسلمين بما لا يكون لَكَ فيه نصيب .

وأَمَّا { صِرَاطِ الْحَمِيدِ } : فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم : مسجد الجامع أي المسجد الجامع والصراط الحميد : الطريق المرضي وهو ما شهدت له الشريعة بالصحة ، وليس للحقيقة عليه نكير .

ويقال الصراط الحميد : ما كان طريق الاتباع دون الابتداع .