في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (80)

53

( وهو الذي يحيي ويميت ) . . والحياة والموت حادثان يقعان في كل لحظة ، وليس إلا الله يملك الموت والحياة . فالبشر - أرقى الخلائق - أعجز من بث الحياة في خلية واحدة ، وأعجز كذلك من سلب الحياة سلبا حقيقيا عن حي من الأحياء . فالذي يهب الحياة هو الذي يعرف سرها ، ويملك أن يهبها ويستردها . والبشر قد يكونون سببا وأداة لإزهاق الحياة ، ولكنهم هم ليسوا الذين يجردون الحي من حياته على وجه الحقيقة . إنما الله هو الذي يحيي ويميت ، وحده دون سواه .

( وله اختلاف الليل والنهار ) . . فهو الذي يملكه ويصرفه - كاختلاف الموت والحياة - وهو سنة كونية كسنة الموت والحياة . هذه في النفوس والأجساد ، وهذه في الكون والأفلاك . وكما يسلب الحياة من الحي فيعتم جسده ويهمد ، كذلك هو يسلب الضوء من الأرض فتعتم وتسكن . ثم تكون حياة ويكون ضياء ، يختلف هذا على ذاك ، بلا فتور ولا انقطاع إلا أن يشاء الله . . ( أفلا تعقلون ? )وتدركون ما في هذا كله من دلائل على الخالق المدبر ، المالك وحده لتصريف الكون والحياة ?

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (80)

يُحْيي النفوسَ ويُميتُهَا والمعنى في ذلك معلومٌ ، وكذلك يحيي القلوبَ ويميتها ؛ فموتُ القلب بالكُفْرِ والجُحد ، وحياةُ القلبِ بالإيمان والتوحيد ، وكما أنَّ للقلوبِ حياةً وموتاً فكذلك للأوقات موتٌ وحياةٌ ، فحياةُ الأوقاتِ بيُمْنِ إقباله ، وموتُ الأوقاتِ بمحنة إعراضه ، وفي معناه أنشدوا :

أموت إذا ذكرتك ثم أحيا *** فكم أحيا عليك وكم أموت

قوله : { وَلَهُ اخْتِلاَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ؛ فليس كلُّ اختلافها في ضيائها وظلمتها ، وطولها وقِصَرِها ، بل ليالي المحبين تختلف في الطول والقِصَر ، وفي الروح والنوح ؛ فَمِنَ الليالي ما هو أضوأ من اللآلي ، ومن النهار ما هو أشدُّ من الحنادس ، يقول قائلهم : لياليَّ بعد الظاعنين شُكُولُ .

ويقول قائلهم :

وكَمْ لظلامِ الليلِ عِنْدِيَ من يدٍ *** تُخَبِّرُ أَنَّ المانويةَ تَكْذِبُ

وقريب من هذا المعنى قالوا :

ليالي وصالٍ قد مَضَيْن كأنَّها *** لآلي عقودٍ في نحور الكواعبِ

وأيامُ هَجْرٍ أعقبتها كأنَّها *** بياضُ مشيبٍ في سواد الذوائبِ