في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ} (58)

44

فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقا ، وأن يأمنوا التخطف حقا ، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها :

( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين ) . .

إن بطر النعمة ، وعدم الشكر عليها ، هو سبب هلاك القرى . وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن ؛ فليحذروا إذن أن يبطروا ، وألا يشكروا ، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها ، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية . . ( لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) . وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها ، وتروي قصة البطر بالنعمة ؛ وقد فنى أهلها فلم يعقبوا أحدا ، ولم يرثها بعدهم أحد ( وكنا نحن الوارثين ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ} (58)

{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي : فخرت بها ، وألهتها ، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل ، فأهلكهم اللّه ، وأزال عنهم النعمة ، وأحل بهم النقمة . { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا } لتوالي الهلاك والتلف عليهم ، وإيحاشها من بعدهم .

{ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } للعباد ، نميتهم ، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم ، ثم نعيدهم{[608]} إلينا ، فنجازيهم بأعمالهم .


[608]:- كذا في ب، وفي أ: ثم تفيدهم إلينا، فنجازيهم، وهو خطأ ظاهر من الناسخ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ} (58)

قوله : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي كم من قرية أهلكناها أبطرتها معيشتها فأشرت{[3515]} وطغت وجحدت ما أنعم الله لهم من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن والنعمة وطيب العيش لكنهم غمطوا النعمة وقابلوها بالبطر ، والجحود فدمر الله عليهم وأهلكهم .

قوله : { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلا } أي تلك بيوت القوم الذين أهلكناهم بكفرهم وذنوبهم ، لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا . فقد خربت من بعدهم ولم يُعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب ، وعلى هذا فالاستثناء يرجع إلى المساكن ؛ أي بعض مساكن الهالكين يسكن وأكثرها خراب .

وقيل : الاستثناء يرجع إلى السكان ، فالمعنى : فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون أو مارّ الطريق يوما أو ساعة . أي لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا . وهو قول ابن عباس .

قوله : { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } أي لم يكن لمساكنهم وبيوتهم التي أتى عليها الخراب والدمار وارث ، بل عادت وليس لها من مالك سوى الله الذي له ميراث كل شيء{[3516]} .


[3515]:أشرت: من الأشر، وهو البطر. انظر: أساس البلاغة ص 2.
[3516]:الكشاف ج 3 ص 186، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 395، وتفسير الطبري ج 20 ص 61.