واللّه سبحانه يقص قصة عبده نوح وهو يتحدى قوى الطاغوت في زمانه هذا التحدي الواضح الصريح . فلنمض مع القصة لنرى نهايتها عن قريب ،
( فإن توليتم فما سألتكم من أجر . إن أجري إلا على اللّه . وأمرت أن أكون من المسلمين )
فإن أعرضتم عني وابتعدتم ، فأنتم وشأنكم ، فما كنت أسألكم أجراً على الهداية ، فينقض أجري بتوليكم :
ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي ، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها للّه :
من المسلمين : من المنقادين لحكم الله ؛ لا أخالف أمره .
72 { فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله . . . } الآية .
أي : فإن أعرضتم عن نصحي ، وكفرتم برسالتي ؛ فإني لا أنتظر منكم على تبليغ الرسالة أجرا ولا مالا ؛ لأن أجري وجزائي من الله وحده .
{ وأمرت أن أكون من المسلمين } .
أي : أمرني ربي بأن أكون من المسلمين . أي : المستسلمين الخاضعين لحكمه ، الراضين بقضائه وقدره ، والإسلام هنا بمعنى : الخضوع والاستسلام لأمر الله عز وجل ، وهو دين الأنبياء والرسل جميعا من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم التفصيلية فهذا نوح يقول : { وأمرت أن أكون من المسلمين } .
وقال تعالى عن إبراهيم الخليل : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } . ( البقرة : 131 ، 132 ) .
وقال موسى : { يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } . ( يونس : 84 ) .
وقال سحرة فرعون : { ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } . ( الأعراف : 126 ) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } . ( الأنعام : 162 ، 163 ) . أي : من هذه الأمة .
وقد روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الأنبياء أخوات لعلاّت ؛ أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ) .
فالأنبياء والرسل أشبه بإخوة من أب واحد وأمهات متعددة ؛ لأن الله سبحانه هو الذي أرسل الرسل ، وأنزل الكتب داعية إلى التوحيد ومكارم الأخلاق ، ولكل رسول شرعة ومنهاج ؛ قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } . ( المائدة : 48 ) .
{ فإن توليتم } أي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ينفعكم علمكم بأن الذي منعني - وأنا وحدي - منكم وأنتم ملء الأرض له العزة جميعاً وأن{[38254]} من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون { فما } أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر على ما يحب ، ما { سألتكم } أي ساعة من الدهر ، وأغرق في النفي فقال : { من أجر } أي على دعائي لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني{[38255]} {[38256]}به في دعائكم{[38257]} .
ولما كان من المحال أن يفعل عاقل شيئاً لا لغرض ، بين غرضه بقوله مستأنفاً : { إن } أي ما { أجري إلا على الله } أي الذي له صفات الكمال ؛ ثم عطف عليه غرضاً آخر وهو إتباع الأمر خوفاً من حصول الضر فقال : { وأمرت } أي من الملك الأعلى الذي لا أمر لغيره ، وبناه للمفعول للعلم بأنه هو الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور به وتغطية بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال { أن أكون } أي كوناً أتخلق به فلا أنفك عنه ؛ ولما كان في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم بالإنذار ، عبر بالإسلام الذي هو الأفعال الظاهرة فقال{[38258]} : { من المسلمين* } أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية الإخلاص ، لي ما لهم وعليّ ما عليهم ، أنا وهم في الإسلام سواء ، لا مرية لي فيه أتهم بها ، وأن أستسلم لكل ما يصيبني في الله ، لا يردني ذلك عن إنفاذ{[38259]} أمره ، والحاصل أنه لم يكن بدعائه إياهم في موضع تهمة ، لا سألهم غرضاً دنيوياً يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن أدبروا ، ولا أتى بشيء من عند نفسه ليظن أنه أخطأ فيه ولا سلك به مسلكاً يظن به استعباده إياهم في إتباعه ، بل أعلمهم بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به مستسلم لما دعاهم{[38260]} إليه ولكل ما يصيبه في الله ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.