في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

( إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض : ربنا ما خلقت هذا باطلا . سبحانك ! فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ، وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان : أن آمنوا بربكم . فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ، وكفر عنا سيئاتنا ، وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، ولا تخزنا يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد . . . ) . .

ما الآيات التي في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ؟

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

{ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } .

التفسير :

190- { إن في خلق السموات والأرض } .

ذكر الله سبحانه هنا آيتين فقط هما خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، لان المقصود بإثارة الانتباه ولفت القلوب والأفئدة إلى بديع صنع الله .

( والقرآن يوجه القلوب والأنظار مكررا إلى هذا الكتاب المفتوح ، الذي لا تفتأ صفحاته تقلب فتتبدى في كل صفحة منه آية موحية تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب وفي ( تصميم ) هذا البناء ، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق ، ومودعه هذا الحق ، مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان ( وألوا الألباب ) : أولوا الإدراك الصحيح يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية ، لا يقيمون الحواجز ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين الآيات ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، فتتفتح بصائرهم ، وتشف مداركهم ، تتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه وتدرك غاية وجوده وعلة نشأته ، وقوام فطرته ، وبالإلهام الذي يصل بين القلب البشرى نواميس هذا الوجود . . ( ومشهد السموات والأرض ، ومشهد اختلاف الليل والنهار ، لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا لو تلقيناه كمشهد جديد تنفتح عليه العيون أول مرة ، لو استنقذنا أنفسنا من همود الإلف وخمود التكرار ، لاهتزت له مشاعرنا ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تنافس لابد من يد تنسق وراء ما فيه من نظام لابد من عقل يدبر ، ووراء ما فيه من إحكام لابد من ناموس لا يتخلف . . وأن هذا كله لا يمكن ان يكون خداعا ، ولا يمكن أن يكون جزافا ، ولا يمكن أن يكون باطلا151 . ( ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع ان نعرف ان الليل والنهار ، ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ، ولا ان تناسق السموات والأرض مرتكز إلى ( الجاذبية ) أو غير الجاذبية ، هذه فروض تصح أو لا تصح ، وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجينة الكونية ، واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها . . . وهذه أيا كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان هي آية القدرة وآية الحق ، في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ) . ( والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشأها استقبال مشهد السموات والأرض واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصوير إيماني ، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الكون ، وفي التجاوب مع فطرته وحقيقته ، والانطباع بإشاراته وإيحاءاته ، ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب ( معرفة ) للإنسان المؤمن الموصول بالله وبما تبدعه يد الله )152 .

عبادة النبي صلى الله عليه وسلم :

ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الآيات العشر من آخر سورة آل عمران إذا قام من الليل لتجهده . قال البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنه قال : بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ، ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الآيات ، ثم قام فتوضأ واستن ثم صلى إحدى عشر ركعة ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح153 .

والآيات واردة في الأذكار والدعاء ، فمن شأن المؤمنين أن يتأملوا في خلق السموات وارتفاعها واتساعها وجلالها وجمالها ، وفي خلق الأرض وانخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيها من بحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزرع وثمار وحيوان ومعادن ومنافع . واختلاف الليل والنهار . أي تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر ، وانتقاصه بازدياده .

لآيات لأولي الألباب . لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته .

لأولي الألباب أي لأصحاب العقول التامة ، والأفئدة المتفتحة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي {[20128]}هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب ، لأن المقصود{[20129]} الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة ، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم ، وذلك هو اتباع الملة الحنيفية ، وهو متوقف على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه{[20130]} - مع الإعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي - للشبهات{[20131]} وبيانه للخفيات ، وأظهر مكابرة أهل الكتاب ، وفضحهم أتم فضيحة ، فلما تم ذلك على أحسن وجه منظماً ببدائع{[20132]} الحكم من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوار{[20133]} المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال : { إن في خلق السماوات والأرض } أي على كبرهما وما فيهما من المنافع ، ونبه على التغير الدال على المغير بقوله : { واختلاف الليل والنهار } أي اختلافاً هو - كما ترون - على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز العليم{[20134]} { لآيات } أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق ، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله : { لأولي الألباب * } وذكر سبحانه وتعالى في أخت{[20135]} هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة ، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة . فإذا استنار قلت{[20136]} حاجته إلى ذلك ، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة ، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأنهاأقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع ، وختم تلك بما هو لأول السلوك : العقل{[20137]} ، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة{[20138]} من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين .


[20128]:سقطت من ظ.
[20129]:في ظ: المقصد.
[20130]:من ظ ومد، وفي الأصل: كشفه.
[20131]:في ظ: المشتبهات.
[20132]:في ظ: ببديع.
[20133]:في ظ: إيقاع.
[20134]:سقط من ظ.
[20135]:من ظ ومد، وفي الأصل: آخر.
[20136]:في ظ: قلب.
[20137]:سورة 2 آية 164.
[20138]:في ظ ومد: البالغة.