في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (53)

41

ولقد آتاهم الله من نعمته ، ورزقهم من فضله ، ومكن لهم في الأرض ، وجعلهم خلائف فيها . . وهذا كله إنما يعطيه الله للناس ابتلاء منه وامتحاناً ، لينظر أيشكرون أم يكفرون ? ولكنهم كفروا ولم يشكروا ؛ وطغوا وبغوا بما أعطوا ، وغيرتهم النعمة والقوة فصاروا جبابرة وطواغيت كفرة فجرة . . وجاءتهم آيات الله فكفروا بها . . وعندئذ حقت عليهم سنة الله في أخذ الكافرين بعد أن تبلغهم آياته فيكذبوا بها . . وعندئذ غير الله النعمة ، وأخذهم بالعذاب ، ودمر عليهم تدميراً :

( ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وأن الله سميع عليم ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (53)

53 – { ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .

اقتضت سنته تعالى ، ألا ينزع نعمة عن قوم إلا إذا كفروا وفجروا ، وارتكبوا الذنوب والسيئات ، ولم يقابلوا النعمة بالشكر والعرفان ، بل قابلوها بالكفر والنكران ، فاستحقوا عقاب الله العادل وحكمه ؛ جزاء كفرهم وعنادهم .

وشبيهه بهذه الآية قوله تعالى :

{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال . . . }( الرعد : 11 ) .

وفي هذه دلالة واضحة ، على أن استحقاق النعم ؛ منوط بصلاح العقائد ، وحسن الأعمال ، ورفعة الأخلاق ، وأن زوال النعم يكون بسبب الكفر والفساد وسوء الأخلاق .

{ وأن الله سميع عليم } . بما نطق به الكافرون من سوء ، { وعليم } بما ارتكبوه من قبائح ومنكرات ، وقد عاقبهم على ذلك بما يستحقون من عذاب .

{ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } . ( النحل : 33 ) .

من تفسير الرازي :

جاء في تفسير الفخر الرازي : قال القاضي : معنى الآية : أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل ، والمقصود : أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ، ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ؛ فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم ، والمنح بالمحن . وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى ، لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة . . . اه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (53)

ولما كان كأنه قيل : فما له يمهلهم ولا يعالجهم بالأخذ قبل النكاية في أوليائه وأهل وده وأصفيائه ؟ قال : { ذلك } أي الأخذ على هذه الحالة { بأن الله } أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم ، وقد كان له سبحانه أن يأخذهم قبل أن يغيروا{[35146]} لعلمه بما في ضمائرهم ، ولكنه تعالى أجرى سنته الإلهية لتمام علمه وكمال قدرته وإحاطته بجميع صفات الكمال بأنه { لم يك } هكذا كان الأصل ، ولكن حذف اختصاراً تقريباً لبيان تعميم العلة{[35147]} وإبعاد للسامع من مثل ذلك ، وحذف نون " يكن " إرشاداً إلى أن هذه الموعظة خليقة بأن يوجز بها غاية الإيجاز فيبادر إلى إلقائها لما في حسن تلقيها من عظيم المنفعة ، لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام { مغيراً نعمة } أي قلت أو جلت ، وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال : { أنعمها على قوم } أي من أيّ طائفة كانوا { حتى يغيروا } أي يبدلوا { ما } يعتقدونه { بأنفسهم } بغيره مما هو غريزة لهم وهو حفي عنهم ، يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافاً غريزياً{[35148]} { وأنّ } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له الكمال كله{[35149]} { سميع } أي لما يكذبون به الرسل{[35150]} ولأقوالهم : إن ما يظهرونه وصفهم الحقيقي { عليم* } أي بما{[35151]} تكّن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك المكنون ويبرز به{[35152]} كل سر مصون ، فإذا تعلق به العلم ظاهراً{[35153]} علق به الحكم قاهراً لتمام قيام الحجة ، ولتمام علمه بحالهم أمهلهم ، وإنما يستعجل من يخاف أن تخيب فراسته أو يتغير علمه ، وأما الذي علمه بالظواهر{[35154]} والضمائر على حد سواء فالحالتان عنده سيان ، فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة ، وذلك التغيير الذي أظهره البلاء هو التكذيب بالحق عناداً والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مناهيج العقل والاستحياء من العناد ، والتنزه من طرق الفساد ، هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندها من خلاف{[35155]} ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها ، لا تعلمه كما تشاهد أكثر من تعاشره ، يظن في نفسه ما ليس فيها ، وعند الامتحان يكذبه العيان ،


[35146]:في ظ: يعتبروا.
[35147]:سقط من ظ.
[35148]:من ظ، وفي الأصل: غريزا.
[35149]:زيد من ظ.
[35150]:في ظ: الرسول.
[35151]:زيد من ظ: لم.
[35152]:زيد من ظ.
[35153]:في ظ: ظاهر.
[35154]:من ظ، وفي الأصل: بالظاهر.
[35155]:زيدت الواو بعده في ظ، ولم تكن في الأصل فحذفناها.