وأما طاعة الله ورسوله ، فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء ؛ فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) . . فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه ؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار . فإذا استسلم الناس للهورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر ، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها ! وإنما هو وضع " الذات " في كفة ، والحق في كفة ؛ وترجيح الذات على الحق ابتداء ! . . ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة . . إنه من عمليات " الضبط " التي لا بد منها في المعركة . . إنها طاعة القيادة العليا فيها ، التي تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها . وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد لله ، ولا يقوم ولاؤها للقيادة على ولائها لله أصلاً . . والمسافة كبيرة كبيرة . .
وأما الصبر . فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة . . أية معركة . . في ميدان النفس أم في ميدان القتال .
( واصبروا ، إن الله مع الصابرين ) . .
وهذه المعية من الله هي الضمان للصابرين بالفوز والغلب والفلاح .
تفشلوا : تجنبوا وتضعفوا . والفشل في الأصل : الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر وأكثر أسبابه : الضعف والجبن ولذلك فسروه هنا بهما .
46 – { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .
هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، حيث يرسم الحق سبحانه لعباده المؤمنين طريق النصر ، فأمرهم بالثبات وبذكر الله تعالى ، في الآية السابقة .
وعطف هذه الآية على ما سبق ، فأمرهم بطاعة الله ورسوله ، والتزام أوامرهما ، والابتعاد عما نهى الله ورسوله عنه .
وطاعة الله باب من أبواب السعادة الدنيوية والأخروية ، فمن وجد الله ؛ وجد كل شيء ، ومن فقد الله ؛ فقد كل شيء . وقد روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل :
" ما تقرب عبدي إلى بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته ؛ كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني ؛ لأجيبنّه ، ولئن سألني ؛ لأعطينه " xxxvi .
تنهى الآية عن التنازع والاختلاف ، وعندما تختلف طوائف الأمة ، ويحاول كل طرف أن ينزع ما في يد الطرف الآخر ؛ يأتي باب الفشل والإحباط والاصطدام ، فتنحط الدولة ، وتذهب ريحها ، وهو كناية عن دوال دولتها ، واضمحلال أمرها .
ومن كلام العرب : هبت ريح فلان ؛ إذا دالت له الدولة ، وجرى أمره على ما يريد ؛ وركدت ريح فلان ؛ إذا ولت عنه وأدبر أمره . قال الشاعر :
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون ؟
ثم تأمر الآية بالصبر ؛ فالصبر طريق الظفر ، وقد ذكر الصبر في القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعا . والصبر من المؤمن بمنزلة الرأس من الجسد ، من لا صبر له ؛ لا إيمان له ، ومن لا رأس له ؛ لا جسد له . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . ( آل عمران : 200 ) .
ويكفي أن الله وعد الصابرين بأن يكون معهم بالعون والتأييد والنصر ؛ فقال سبحانه : { إن الله مع الصابرين } .
وبذلك ترى أن الله تعالى يعلّم عباده المؤمنين السبيل إلى النصر ؛ فيأمرهم بما يأتي :
2 - ذكر الله ذكرا كثيرا في شدة البأساء .
4 – البعد عن التنازع والاختلاف .
5 – الصبر ، وإعداد العدة ، والتضحية بالنفس والمال .
وهي في جملتها عوامل أساسية في ترابط بنيان الأمة ، وقوة شأنها ، وانتصارها على أعدائها .
قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهاتين الآيتين ما يأتي :
وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة ، والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد ممن بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم ، من الروم والفرس ، والترك والصقالبة والبربر ، والحبوش ، وأصناف السودان ، والقبط وطوائف بني آدم ؛ قهروا الجميع حتى علت كلمة الله ، وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، في أقل من ثلاثين سنة ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وحشرنا في زمرتهم ، إنه كريم وهابxxxvii .
{ وأطيعوا الله } أي الذي له الغنى المطلق فلا يقبل إلا الخالص والكمال الأكمل فلا يفعل إلا{[35067]} ما يريد { ورسوله } أي في الإقدام والإحجام لجهلكم بالعواقب ، وتلك الطاعة أمارة إخلاصكم في الذكر { ولا تنازعوا } بأن يريد كل واحد نزع مال صاحبه من رأي وغيره وإثبات ما له ، وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ببيان ثمرته المرة فقال ؛ { فتفشلوا } أي تضعفوا ؛ قال في القاموس : فشل كفرح ، فهو فشل ، كسل وضعف وتراخى وجبن - انتهى . والمادة راجعة إلى الفيشلة وهي الحشفة ، ومن لازمها الرخاوة{[35068]} وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة والطيش .
ولما كان الفشل ربما كان معه الظفر لفشل في العدو أكثر منه أو غير ذلك ، عطف ما يلزمه غالباً بالواو دون الفاء فقال : { وتذهب{[35069]} ريحكم } أي غلبتكم وقوتكم ، وأصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه أعدائهم فمنعتهم بما يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده ، فصارت يكنى بها عنها ؛ ثم ختم هذه الأسباب بالجامع لشملها الناظم{[35070]} لمقاصد أهلها فقال ؛ { واصبروا } أي على ما يكون من تلك المشاق فإنكم إن تكونوا تألمون فإن أعداءكم كذلك ، وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون ؛ ثم علله بما يكون عنه النصر في الحقيقة فقال : { إن الله } أي الميحط بصفات الكمال { مع الصابرين* } أي لأنهم لا يصبرون إلا اعتماداً عليه ، ومن كان معه عز ، وهذه الجملة جمع فيها - كما قال الإمام شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في آخر كتاب{[35071]} الفروسية المحمدية - تدبير الحروب أحسن جمع على أتم وجه ، فأمر فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت قط في فئة إلا انتصرت وإن قلت في جنب عدوها ، وخامسها ملاك ذلك وقوامه وأساسه وهو الصبر ، فعلى هذه الدعائم الخمس تبنى قبة النصر ، ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسبه ، وإذا اجتمعت قوى بعضها بعضاً وصار لها أثر عظيم ، لما اجتمعت في الصحابة رضي الله عنهم لم تقم لهم أمة من الأمم ، ففتحوا البلاد شرقاً وغرباً ودانت لهم العباد سلماً وحرباً ، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر قليلاً قليلاً إلى ما ترى - فلا قوة إلا بالله ، والجامع لذلك كله طاعة الله ورسوله فإنها موجبة لتأييد المطيع بقوة من هو في طاعته ، وذلك{[35072]} سر قول أبي الدرداء رضي الله عنه الذي رواه البخاري في باب " عمل صالح قبل القتال{[35073]} " : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم ؛ وهو شرع قديم ، قال في أثناء السفر الخامس من التوراة : وإن{[35074]} أنتم سمعتم قول الله ربكم وتحفظتم{[35075]} وعملتم بكل هذه الوصية التي آمركم{[35076]} بها اليوم يبارك عليكم{[35077]} الله ربكم كما قال لكم{[35078]} ، و{[35079]} ترزقون إن تقرضوا شعوباً كثيرة{[35080]} ولا تقرضون ، وتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلطون عليكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.