وهذه حالهم مع ربهم ، فأما حالهم مع الناس ، وحالهم مع المال ، فهو مما يليق بالمحسنين :
( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) . .
فهم يجعلون نصيب السائل الذي يسأل فيعطى ، ونصيب المحروم الذي يسكت ويستحيي فيحرم . يجعلون نصيب هذا وهذا حقا مفروضا في أموالهم . وهم متطوعون بفرض هذا الحق غير المحدود .
وهذه الإشارة تتناسق مع علاج السورة لموضوع الرزق والمال ، لتخليص القلب من أوهاق الشح وأثقال البخل وعوائق الانشغال بالرزق . وتمهد للمقطع التالي في السورة ، في الوقت الذي تكمل سمة المتقين وصورة المحسنين .
حق : نصيب وافر يوجبونه على أنفيهم تقربا إلى ربهم ، وإشفاقا على عباده .
السائل : المستجدي الطالب العطاء .
المحروم : هو المتعفف الذي يحسبها الجاهل غنيا ، فيحرم الصدقة من أكثر الناس .
19- { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } .
وقد أوجبوا على أنفسهم واجبا للفقير السائل ، وللمحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس ، ويحسبه الجاهل بحاله غنيا من تعففه ، فهم مهتمون بسائر أنواع المحتاجين .
أخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، والأكلة والأكلتان ) ، قيل : فمن المسكين ؟ قال : ( الذي ليس له ما يغنيه ، ولا يعلم مكانه فيتصدق عليه ، فذلك المحروم )7 .
{ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } : أي للذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لتعففه وهذا الحق أوجبوه على أنفسهم زيادة على الزكاة الواجبة .
{ وفي أموالهم حق للسائل } والمحروم أي وزيادة على الزكاة المفروضة في كل مال بلغ النصاب فإنهم أوجبوا على أنفسهم في أموالهم حق يبذلونه للسائل الذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل لحيائه وعفته . هذه موجبات العطاء الكريم الي أعطاهم ربهم من النعيم المقيم في جنات وعيون .
قوله عز وجل : { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } السائل : الذي يسأل الناس ، والمحروم : الذي ليس له في الغنيمة سهم ، ولا يجرى عليه من الفيء شيء ، هذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب قال : المحروم الذي ليس له في الإسلام سهم ، ومعناه في اللغة : الذي منع الخير والعطاء . وقال قتادة والزهري : المحروم المتعفف الذي لا يسأل . وقال زيد بن أسلم : هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته . وهو قول محمد بن كعب القرظي ، قال : المحروم صاخب الحاجة ، ثم قرأ : { إنا لمغرمون * بل نحن محرومون }( الواقعة-67 ) .
ثم مدحهم - سبحانه - للمرة الثالثة فقال : { وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم } .
والسائل : هو من يسأل غيره العون والمساعدة . والمحروم : هو المتعفف عن السؤال مع أنه لا مال له لحرمان أصابه ، بسبب مصيبة نزلت به ، أو فقر كان فيه . . . أو ما يشبه ذلك .
قال ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى المراد من المحروم هنا . والصواب من القول فى ذلك عندى : أنه الذى قد حرم الرزق واحتاج ، وقد يكون ذلك بذهاب ماله وثمره فصار ممن حرمه الله .
وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة . وقد يكون بأنه لا سهم له فى الغنيمة لغيبته عن الواقعة .
أى : أنهم بجانب قيامهم الليل طاعة لله - تعالى - واستغفارا لذنوبهم . . . يوجبون على أنفسهم فى أموالهم حقا للسائل والمحروم ، تقربا إلى الله - سبحانه - بمقتضى ما جبلوا عليه من كرم وسخاء .
فالمراد بالحق هنا : ما يقدمونه من أموال للمحتاجين على سبيل التطوع وليس المراد به الزكاة المفروضة ، لأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة .
قال الآلوسى : { وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } هو غير الزكاة كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما .
وقال منذر بن سعيد : هذا الحق هو الزكاة المفروضة ، وتعقب بأن السورة مكية . وفرض الزكاة بالمدينة . وقيل : أصل فريضة الزكاة كان بمكة والذى كان بالمدينة القدر المعروف اليوم . . . . والجمهور على الأول .
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى أن هؤلاء المتقين ، قد مدحهم الله - تعالى - هذا المدح العظيم ، لأنهم عرفوا حق الله عليهم فأدوه بإحسان وإخلاص ، وعرفوا حق الناس عليهم فقدموه بكرم وسخاء .
قوله : { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } ذلك إطراء آخر للمؤمنين المحسنين . وهو أنهم يبذلون حقا من أموالهم للسائل والمحروم . والمراد بالحق في أموالهم : الزكاة المفروضة . وقيل : كل حق سوى الزكاة . والأولى أنه ما يفرزه المحسن من ماله فيجعله للسائل والمحروم وغيرهما ممن يجب بذل المال إليه كالرحم والضيف والجار المحتاج .
أما السائل ، فهو الذي يسأل الناس لما به من فاقة وعوز ، وله حق فقد روى الإمام أحمد عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي ( رضي الله عنهما ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " للسائل حق وإن جاء على فرس " .
وأما المحروم ، فهو المحارف – بفتح الراء- أي المحدود المحروم وهو ضد المبارك . وقد حورف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه{[4332]} والمراد به ههنا الذي ليس له سهم في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها . وقالت أم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) : هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه . وقيل : هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا ، ولا يعلم الناس بحاجته . وفي الحديث : " ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه " .