في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (26)

14

وانتهت دعوة إبراهيم لقومه ، والمعجزة التي لا شك فيها . انتهت هذه وتلك بإيمان فرد واحد غير امرأته هو لوط . ابن أخيه فيما تذكر بعض الروايات . وهاجر معه من أور الكلدانيين في العراق ، إلى ما وراء الأردن حيث استقر بهما المقام :

( فآمن له لوط ، وقال : إني مهاجر إلى ربي ، إنه هو العزيز الحكيم ) . .

ونقف أمام قولة لوط : ( إني مهاجر إلى ربي ) . . لنرى فيم هاجر . إنه لم يهاجر للنجاة . ولم يهاجر إلى أرض أو كسب أو تجارة . إنما هاجر إلى ربه . هاجر متقربا له ملتجئا إلى حماه . هاجر إليه بقلبه وعقيدته قبل أن يهاجر بلحمه ودمه . هاجر إليه ليخلص له عبادته ويخلص له قلبه ويخلص له كيانه كله في مهجره ، بعيدا عن موطن الكفر والضلال . بعد أن لم يبق رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان بحال .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (26)

المفردات :

آمن له لوط : أي : آمن بإبراهيم وأسلم له قياده .

مهاجر : الهجرة : مفارقة بلد إلى أخر ، فإن كانت قربة إلى الله فهي الهجرة الشرعية .

التفسير :

26-{ فأمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم }

لقد خرج إبراهيم من النار سليما معافى ، وكانت هذه معجزة باهرة تستدعي إيمان الكثيرين بإبراهيم عليه السلام ، بيد أنه لم يؤمن بإبراهيم إلا لوط عليه السلام ، ابن أخي إبراهيم ، وسارة زوجته ، وكان إبراهيم في سن الخامسة والسبعين ، فعزم على الهجرة بعد أن وجد القوم في العراق محجمين عن الإيمان ، مصممين على الكفر ، وانتقل إبراهيم من قرية كُوثى " بضم الكاف " وهي قرية من سواد الكوفة بأرض العراق ، إلى حرّان ثم إلى الشام ، ومعه ابن أخيه ، لوط بن هاران بن تارح ، وامرأته سارة .

ثم أرسل لوط في حياة إبراهيم عليه السلام ، إلى أهل سدوم وإقليمها ، قرب البحر الميت ، أو بحيرة لوط كما سميت بعد ذلك .

وجمهور المفسرين على أن إبراهيم هو الذي قال : { إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم } أي : آمن لوط بإبراهيم ، وبأنه رسول من عند الله تعالى كما آمنت به زوجته سارة ، ولما رأى إبراهيم قلة المؤمنين به أعلن هجرته من العراق إلى الشام ، وقال : إني مهاجر لتنفيذ أمر ربي ، ولنشر دعوته في أماكن أخرى تجد آذانا صاغية ومؤمنين بها إنه هو العزيز . الغالب الذي نجاني من النار ، الحكيم . الذي اختار لي الهجرة ، وهو الحكيم في كل أفعاله .

وقال صاحب الظلال :

معنى الآية : فآمن لوط بإبراهيم ورسالته ، وقال لوط : إني مهاجر إلى ربي ابتغاء مرضاته فهي هجرة في سبيله ، وهو سبحانه العزيز الحكيم . أي : الغالب القادر الحكيم في أوامره11 .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (26)

{ فآمن له لوط } تضمن آمن معنى انقاد ، ولذلك تعدى باللام .

{ وقال إني مهاجر إلى ربي } القائل لذلك إبراهيم ، وقيل : لوط ، وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (26)

ولما كان في سياق الابتلاء ، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه ، بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم ، وأن الله سبحانه تولى كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم ، وأهلك أعداءهم ، فلم يكن لهم من ناصرين فقال : { فآمن له } أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات { لوط } أي ابن أخيه هاران وحده ، وهو أول من صدقه من الرجال { وقال } أي إبراهيم عليهما الصلاة والسلام مؤكداً لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها : { إني مهاجر } أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز { إلى ربي } أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير ، ولا من ترجى نصرته ، ولا من تنفع مودته ، فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده ، والاعتماد عليه دون ما سواه ، فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة فكانت له هجرتان ، وهو أول من هاجر في الله . قال مقاتل : وكان ذاك ابن خمس وسبعين سنة .

ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي قربه ، فقال مؤكداً تسكيناً لمن عساه يتبعه وتهويناً عليه لفراق ما ألفت النفوس من أنه لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف : { إنه هو } أي وحده { العزيز } أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه { الحكيم* } فهو إذا أعز أحداً منعته حكمته من التعرض له بإذلال ، بفعل أو مقال ، كما صنع بي حين أراد إذلالي من كان جديراً بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى ، وبالغ في أذاي ممن كان حقيقاً بنفعي من ذوي رحمي وحبي .