ومن الإشارة إلى الإسراء وما صاحبه من آيات ؛ والإشارة إلى نوح ومن حملوا معه من المؤمنين ؛ والإشارة إلى قصة بني إسرائيل وما قضاه الله لهم في الكتاب ، وما يدل عليه هذا القضاء من سنن الله في العباد ، ومن قواعد العمل والجزاء ؛ والإشارة إلى الكتاب الأخير الذي يهدي للتي هي أقوم . .
من هذه الإشارات إلى آيات الله التي أعطاها للرسل ينتقل السياق إلى آيات الله الكونية في هذا الوجود ، يربط بها نشاط البشر وأعمالهم ، وجهدهم وجزاءهم ، وكسبهم وحسابهم ، فإذا نواميس العمل والجزاء والكسب والحساب مرتبطة أشد ارتباط بالنواميس الكونية الكبرى ، محكومة بالنواميس ذاتها ، قائمة على قواعد وسنن لا تتخلف ، دقيقة منظمة دقة النظام الكوني الذي يصرف الليل والنهار ؛ مدبرة بإرادة الخالق الذي جعل الليل والنهار :
( وجعلنا الليل والنهار آيتين ، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ، لتبتغوا فضلا من ربكم ، ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ؛ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا . وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا . وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ، وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا . من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ؛ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا . كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا . انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) . .
فالناموس الكوني الذي يحكم الليل والنهار ، يرتبط به سعي الناس للكسب . وعلم السنين والحساب . ويرتبط به كسب الإنسان من خير وشر وجزاؤه على الخير والشر . وترتبط به عواقب الهدى والضلال ، وفردية التبعة فلا تزر وازرة وزر أخرى . ويرتبط به وعد الله ألا يعذب حتى يبعث رسولا . وترتبط به سنة الله في إهلاك القرى بعد أن يفسق فيها مترفوها . وترتبط به مصائر الذين يطلبون العاجلة والذين يطلبون الآخرة وعطاء الله لهؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة . . كلها تمضي وفق ناموس ثابت وسنن لا تتبدل ، ونظام لا يتحول فليس شيء من هذا كله جزافا .
( وجعلنا الليل والنهار آيتين ، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ، لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ، وكل شيء فصلناه تفصيلا ) . .
والليل والنهار آيتان كونيتان كبيرتان تشيان بدقة الناموس الذي لا يصيبه الخلل مرة واحدة ، ولا يدركه التعطل مرة واحدة ، ولا يني يعمل دائبا بالليل والنهار . فما المحو المقصود هنا وآية الليل باقية كآية النهار ? يبدو - والله أعلم - أن المقصود به ظلمة الليل التي تخفي فيها الأشياء وتسكن فيها الحركات والأشباح . . فكأن الليل ممحو إذا قيس إلى ضوء النهار وحركة الأحياء فيه والأشياء ؛ وكأنما النهار ذاته مبصر بالضوء الذي يكشف كل شيء فيه للأبصار .
ذلك المحو لليل والبروز للنهار ( لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ) . . فالليل للراحةوالسكون والجمام ، والنهار للسعي والكسب والقيام ، ومن المخالفة بين الليل والنهار يعلم البشر عدد السنين ، ويعلمون حساب المواعيد والفصول والمعاملات . ( وكل شيء فصلناه تفصيلا ) فليس شيء وليس أمر في هذا الوجود متروكا للمصادفة والجزاف . ودقة الناموس الذي يصرف الليل والنهار ناطقة بدقة التدبير والتفصيل ، وهي عليه شاهد ودليل .
{ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ( 12 ) } .
12- { وجعلنا الليل والنهار آيتين . . . }
أي : جعلناهما بهيئاتها وتعاقبهما واختلافها في الطول والقصر علامتين تدلان على أن لهما خالقا حكيما ويشيان بدقة الناموس الذي لا يصيبه الخلل مرة واحدة ولا يني يعمل دائبا بالليل النهار .
{ فمحونا آية الليل } : أي بجعلها مظلمة فكأن الليل ممحو إذا قيس إلى ضوء النهار .
قال مجاهد : جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو .
{ وجعلنا آية النهار مبصرة } . أي : وجعلنا الآية التي هي النهار مضيئة ؛ لتمييز الأشياء المحسوسة وكأنما النهار ذاته مبصر بالضوء الذي يكشف كل شيء فيه للأبصار .
{ لتبتغوا فضلا من ربكم } . أي : فعلنا ذلك ؛ لتطلبوا في النهار رزقا منه سبحانه بالانتشار للمعاش والصناعات والأعمال والأسفار .
{ ولتعلموا عدد السنين } . أي : ولتعلموا بمحو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة عدد السنين التي تتوقف عليها مصالحكم الدنيوية .
والحساب . أي : الحساب المتعلق بما في ضمن السنين من الأشهر والليالي والأيام أو الحساب الجاري في المعاملات كالبيوع والإجارات وفي العبادات ، أي : لتعرفوا مضي الآجال المضروبة لذلك ؛ إذ لولاه لما علم أحد حسبان الوقات ولتعطلت الأمور .
هذه الآية أصل في علم المواقيت والهيئة والتاريخ وفي الآية لف ونشر غير مرتب .
فابتغاء الفضل يكون في النهار ، وعلم الحساب والمواعيد يكون من أظلام الليل ، والمخالفة بينه وبين النهار .
{ وكل شيء فصلناه تفصيلا } . أي : مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم بيناه في القرآن بيانا بليغا لا التباس معه ، كقوله تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } . ( النحل : 89 ) . فظهر كله هادئا للتي هي أقوم ظهورا بينا .
وقيل : معنى { وكل شيء فصلناه تفصيلا } أي : أبدعنا نظامه في دقة متناهية فليس شيء وليس أمر في هذا الوجود متروكا للمصادفة والجزاف . ودقة الناموس الذي يصرف الليل والنهار ناطقة بدقة التدبير والتفصيل وهي عليه شاهد ودليل .
وآيات القرآن متعاقبة على تأكيد هذا المعنى وبيان دقة النظام في الليل والنهار وسير الشمس والقمر ، وقد أورد الحافظ ابن كثير عددا كبيرا من آيات القرآن : لتأكيد هذا المعنى وتأييده ، منها قوله تعالى : { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون . والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم . والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم . لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } . ( يس : 40 ، 37 ) .
وقال تعالى : { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم } . ( الأنعام : 96 ) .
{ فمحونا آية الليل } فيه وجهان :
أحدهما : أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما ، فتكونه الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك : مسجد الجامع أي : الآية التي هي الليل : والآية التي هي النهار ومحو آية الليل على هذا كونه مظلما .
والوجه الثاني : أن يراد بآية الليل : القمر وآية النهار : الشمس ، ومحو آية الليل على هذا كون القمر لم يجعل له ضوء كضوء الشمس .
{ وجعلنا آية النهار مبصرة } يحتمل أن يريد النهار بنفسه أو الشمس ومعنى مبصرة : تبصر فيها الأشياء .
{ لتبتغوا فضلا من ربكم } أي : لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في معايشكم .
{ ولتعلموا } باختلاف الليل والنهار أو بمسير الشمس والقمر .
{ عدد السنين والحساب } الأشهر والأيام .
{ وكل شيء فصلناه تفصيلا } انتصب كل بفعل مضمر ، والتفصيل البيان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.