ثم يمضي السياق يصور طبيعة العناد ، التي ينبعث منها ذلك الإعراض ؛ فيرسم نموذجا عجيبا من النفوس البشرية . . ولكنه نموذج مع ذلك مكرور ، يجده الإنسان في كل عصر وفي كل بيئة وفي كل جيل . . نموذج النفس المكابرة ، التي يخرق الحق عينها ولا تراه ! والتي تنكر ما لا ينكر لأنه من الوضوح بحيث يخجل المخالف أن ينكره ! على الأقل من باب الحياء ! . . والقرآن يرسم هذا النموذج شاخصا في كلمات قلائل ، على طريقة التعبير القرآني المبدعة المعجزة في التعبير والتصوير :
( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ، لقال الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ) . .
إنه ليس الذي يجعلهم يعرضون عن أيات الله ، أن البرهان على صدقها ضعيف ، أو غامض ، أو تختلف فيه العقول . إنما الذي يجعلهم يقفون هذا الموقف هو المكابرة الغليظة والعناد الصفيق ! وهو الإصرار مبدئيا على الرفض والإنكار وعدم اعتبار البرهان أو النظر إليه أصلا ! ولو أن الله - سبحانه - نزل على رسول الله [ ص ] هذا القرآن ، لا عن طريق الوحي الذي لا يرونه ؛ ولكن في ورقة منظورة ملموسة محسوسة ؛ ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم - لا سماعا عن غيرهم ، ولا مجرد رؤية بعيونهم - ما سلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه ، ولقالوا جازمين مؤكدين :
وهي صورة صفيقة ، منكرة ، تثير الاشمئزاز ، وتستعدي من يراها عليها ! صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها ! حيث لا مجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل !
وتصويرها على هذا النحو - وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة - يؤدي غرضين أو عدة أغراض :
إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض ؛ كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة ، ، ليرى نفسه في هذه المرآة ، ويخجل منها !
وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين ؛ ويثبت قلوبهم على الحق ، فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء .
كذلك هو يوحي بحلم الله الذي لا يعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين ، وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق .
وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين .
في قرطاس : القرطاس ؛ - بتثليث القاف ، والكسر أشهر – ما يكتب فيه
فلمسوه بأيديهم : اللمس ؛ كالمس ؛ إدراك الشيء بظاهر البشر . وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء والبحث عنه . والمراد هنا : الأول .
إن هذا إلا سحر : أي خداع وتمويه .
7- ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم . . . الآية . لقد بلغ الحزن والأسف من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كل مبلغ لإصرار قومه على الكفر مع وضوح الدليل والحجة على صدقه فبين القرآن له هنا فسادهم وجحودهم وعنادهم حتى لو ظهر الدليل على صدقه واضحا للعيان ملموسا باليد .
إننا لو نزلنا عليك كتابا من السماء قرطاس – كما اقترحوا – فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك ولسموه بأيديهم منذ وصوله إلى الأرض ، وباشروه بعد ذلك بجميع حواسهم بحيث يرتفع عنهم كل ارتياب ، ويزول كل إشكال . . . لو أننا فعلنا ذلك استجابة لمقترحاتهم المتعنتة ، لقالوا بلغة العناد والجحود ما هذا الذي أبصرناه ولمسناه إلا سحر مبين .
والقرطاس بكسر القاف وقد تفتح وتضم ، ما يكتب عليه من رق أو ورق أو من غيرهما ، ولا يطلق على ما يكتب فيه قرطاس إلا إذا كان مكتوبا .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى :
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين . ( النمل : 14 ) .
وقوله سبحانه فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ( الأنعام : 33 ) .
وقوله تعالى : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون . ( الحجر : 14 ، 15 ) .
{ ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } الآية : إخبار أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات .
والمراد بقوله فلمسوه بأيديهم لو بالغوا في تمييزه وتقليبه ليرتفع الشك لعاندوا بذلك ، يشبه أن يكون سبب هذه الآية قول بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا أؤمن بك حتى تأتي بكتاب من السماء يأمرني بتصديقك وما أراني مع هذا أصدقك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.