وخلق السماوات والأرض وما بينهما متلبس بالحق : ( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) . . وبالتقدير الدقيق : ( وأجل مسمى )تتحقق فيه حكمة الله من خلقه ، ويتم فيه ما قدره له من غاية .
وكلا الكتابين مفتوح ، معروض على الأسماع والأنظار ، ينطق بقدرة الله ، ويشهد بحكمته ، ويشي بتدبيره وتقديره ، ويدل كتاب الكون على صدق الكتاب المتلو ، وما فيه من إنذار وتبشير . . ( والذين كفروا عما أنذروا معرضون ) . . وهذا هو العجب المستنكر في ظل تلك الإشارة إلى الكتاب المنزل والكتاب المنظور !
والكتاب المنزل المتلو يقرر أن الله واحد لا يتعدد ، وأنه رب كل شيء ، بما أنه خالق كل شيء ، ومدبر كل شيء ، ومقدر كل شيء . وكتاب الكون الحي ينطق بهذه الحقيقة ذاتها ؛ فنظامه وتنسيقه وتناسقه كلها تشهد بوحدانية الصانع المقدر المدبر ، الذي يصنع على علم ، ويبدع على معرفة ، وطابع الصنعة واحد في كل ما يصنع وما يبدع . فأنى يتخذ الناس آلهة من دونه ? وماذا صنع هؤلاء الآلهة وماذا أبدعوا ? وهذا هو الكون قائما معروضا على الأنظار والقلوب ؛ فماذا لهم فيه ? وأي قسم من أقسامه أنشأوه ?
3- { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون } .
إن هذا الكون بما فيه من سماء وأرض وفضاء ، لم يخلق عبثا ، بل أبدعته يد القدرة الإلهية ، لحكمة عليا هي الاختبار والابتلاء ، وإعطاء الإنسان فرصة في هذه الدنيا ، ومعه قدرة وإرادة واختيار للسلوك الذي يفضله ، فمن أطاع الله فله الجنة ، ومن عصى الله فله النار ، وحياة هذا الكون لمدة محددة هي عمر الدنيا ، فإذا انتهت الحياة على هذه الأرض ، بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وبرز الجميع لله الواحد القهار ، لكن الكفار لم يستمعوا لهذا الكتاب ، ولا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعرضوا عن دين الإسلام ، وهو سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة .
{ إلا بالحق } أي خلقنا متلبسا بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية ، والحكمة الربانية . { وأجل مسمى } أي وإلا بتقدير أمد معين لبقاء هذه المخلوقات نفتى في نهايته ؛ وذلك عند قيام الساعة . والأجل : المدة المضروبة للشيء . { والذين كفروا عما أنذروا } من قيام الساعة وحدوث أهوالها والبعث في اليوم الآخر والجزاء{ معرضون } .
وأقام تعالى الأدلة على تلك الدار وأذاق العباد نموذجا من الثواب والعقاب العاجل ليكون أدعى لهم إلى طلب المحبوب والهرب من المرهوب ، ولهذا قال هنا : { مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ } أي : لا عبثا ولا سدى بل ليعرف العباد عظمة خالقهما ويستدلوا على كماله ويعلموا أن الذي خلقهما على عظمهما قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم للجزاء وأن خلقهما وبقاءهما مقدر إلى { أَجَلٍ مُسَمًّى }
فلما أخبر بذلك -وهو أصدق القائلين وأقام الدليل وأنار السبيل أخبر -مع ذلك- أن طائفة من الخلق قد أبوا إلا إعراضا عن الحق ، وصدوفا عن دعوة الرسل فقال : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ } وأما الذين آمنوا فلما علموا حقيقة الحال قبلوا وصايا ربهم ، وتلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالانقياد والتعظيم ففازوا بكل خير ، واندفع عنهم كل شر .
" ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق " تقدم أيضا . " وأجل مسمى " " وأجل مسمى " يعني القيامة ، في قول ابن عباس وغيره . وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض . وقيل : إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق . " والذين كفروا عما أنذروا معرضون " " والذين كفروا عما أنذروا " خُوفوه " معرضون " مولون لاهون غير مستعدين له . يجوز أن تكون " ما " مصدرية ، أي عن إنذارهم ذلك اليوم .
{ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ( 3 ) }
ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، لا عبثًا ولا سدى ؛ بل ليعرف العباد عظمة خالقهما فيعبدوه وحده ، ويعلموا أنه قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم ، وليقيموا الحق والعدل فيما بينهم وإلى أجل معلوم عنده . والذين جحدوا وحدانية الله ، عما أنذرهم به القرآن معرضون ، لا يتعظون ولا يتفكرون .
قوله : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى } يعني أحدث الله هذا الكون لإقامة الحق والعدل فيه ليس للعب واللهو والباطل . وقد خلق الله ذلك كله لأجل معلوم ، تفنى ببلوغه الحياة والأحياء والكائنات جميعا .
قوله : { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } يعني هؤلاء الكافرون المكذبون قد تولوا معرضين عما أنذروا من تخويف وتحذير . فلم يعبأ بذلك بل لجوا في تكذيبهم وجحودهم .