في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

114

( لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً )

إنهم يدعون الشيطان - عدوهم القديم - ويستوحونه ويستمدون منه هذا الظلال . ذلك الشيطان الذي لعنه الله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

المفردات :

لعنه الله : طرده من رحمته .

لأتخذن : الاتخاذ : أخذ الشيء على وجه الاختصاص .

نصيبا مفروضا : حظا مقسوما . وسيأتي بيانه في الشرح .

التفسير :

118- لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا .

-لَّعَنَهُ اللّهُ . طرده وأبعده عن رحمته ؛ لتمرده واستكباره عن طاعة ربه ، وعدم سجوده لآدم ، فأخرجه الله من الجنة مذموما مدحورا مطرودا من رحمة الله في عاجله وآجله .

وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . أي : بعد أن لعنه الله وطرده من جواره ، قال يخاطب الله تعالى : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . يريد توكيد استيلائه- بالوسوسة- على إرادة أبناء آدم عدوه ؛ حتى يسخرها في سبيل الغواية والفساد عقيدة وعملا حتى كأنهم نصيب مفروض مقطوع له .

قال الزجاج : الفرض في اللغة : القطع ، والفرض فيما ألزمه الله العباد جعله حتما عليهم قاطعا .

وقال مقاتل : النصيب المفروض : أن من كل ألف إنسان واحد في الجنة وسائرهم في النار ، وفي تفسير القرطبي 5/388 قلت : وهذا صحيح معنى ، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة : " ابعث بعث النار ، فيقول : وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين " {[103]} أخرجه مسلم ، وبعث النار : هو نصيب الشيطان .

وفي تفسير ابن كثير : وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . أي : معينا مقدرا معلوما . قال : قتادة : ومن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة {[104]} .

وقال ابن قتيبة : أي : حظا أفترضه لنفسي منهم فأضلهم {[105]}


[103]:ابعث بعث النار: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3348) وفي تفسير القرآن (4741) وفي الرقاق (6530) رواه مسلم في الإيمان (222) (10892) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول: أخرج بعث النار قال:وما بعث النار قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير {وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} قالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد قال: أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف ثم قال: والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود. ورواه مسلم في الفتن (2940) وأحمد في مسنده (6519) من حديث عبد الله بن عمر وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا فقال: سبحان الله أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوها لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يحرق البيت ويكون ويكون ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد لا أصغي ليتا ورفع ليتا قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال: فيصعق و يصعق الناس ثم يرسل الله أو قال: ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل نعمان الشاك فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال: يا أهل الناس هلم إلى ربكم {وقفوهم أنهم مسئولون} قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال: من كم فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين...الحديث. ورواه الترمذي في تفسير القرآن (3168،3169) (19383،19400) من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} إلى قوله {ولكن عذاب الله شديد} قال: أنزلت هذه الآية وهو في سفر فقال: أتدرون أي يوم ذلك فقالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذلك يوم يقول الله لآدم: أبعث بعث النار فقال:يا رب وما بعث النار؟ قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة... الحديث.
[104]:تفسير ابن كثير 1/556.
[105]:ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير 2/204 المكتب الإسلامي.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{لعنه الله} حين كره السجود لآدم صلى الله عليه وسلم،

{وقال} إبليس لربه جل جلاله: {لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا}: حظا معلوما من كل ألف إنسان واحد في الجنة وسائرهم في النار، فهذا النصيب المفروض...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{لَعَنَهُ اللّهُ}: أخزاه وأقصاه وأبعده. ومعنى الكلام: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا قد لعنه الله وأبعده من كل خير. وقال: {لأتّخِذَنّ} يعني بذلك أن الشيطان المريد قال لربه إذ لعنه: {لأَتّخِذَنّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبا مَفْرُوضا} يعني بالمفروض: المعلوم¹.

فإن قال قائل: وكيف يتخذ الشيطان من عباد الله نصيبا مفروضا؟ قيل: يتخذ منهم ذلك النصيب بإغوائه إياهم عن قصد السبيل، ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلال والكفر، حتى يزيلهم عن منهج الطريق¹، فمن أجاب دعاءه واتبع ما زينه له، فهو من نصيبه المعلوم وحظه المقسوم. وإنما أخبر جلّ ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله: {لأتّخِذَنّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبا مَفْرُوضا} ليعلم الذين شاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى أنهم من نصيب الشيطان الذي لعنه الله المفروض، وأنه ممن صدق عليهم ظنه...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا} إنه، لعنه الله، وإن قطع القول فيه: {لأتخذن من} كذا قطعا فهو ظن في الحقيقة...

{نصيبا مفروضا} أي مبينا معلوما. والنصيب المفروض هو ما ذكر {ولأضلنهم} إلى آخر ما ذكر. {مفروضا} أي مبينا: من يطيعه ومن لا يطيعه...

.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{لعنه الله} دحره وأخرجه من الجنة...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وأصل اللعن: الإبعاد، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ويحتمل أن يكون {لعنه} صفة الشيطان، ويحتمل أن يكون خبراً عنه، والمعنى يتقارب على الوجهين.

{وقال لأتخذن}: وقال الشيطان، والمعنى، لأستخلصنهم لغوايتي: ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة، والمفروض معناه في هذا الموضع المنحاز، وهو مأخوذ من الفرض وهو الحز في العود وغيره، ويحتمل أن يريد واجباً أن أتخذه، وبعث النار هو نصيب إبليس..

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال تعالى {لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا}:

اعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله {لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا} الفرض في اللغة القطع، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، والفرض الحز الذي في الوتر، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتما عليهم قطعا لعذرهم، وكذا قوله {وقد فرضتم لهن فريضة} أي جعلتم لهن قطعة من المال.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظا مقدرا معينا، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه.

فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددا من حزب الله.

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر {فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} وقال حاكيا عن الشيطان {لأحتنكن ذريته إلا قليلا}. وحكى عنه أيضا أنه قال {لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} ولاشك أن المخلصين قليلون.

وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عددا من المؤمنين المخلصين، ولاشك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس.

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال {لأتخذن من عبادك نصيبا} مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول الأقل؟

والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع البشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضا فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس.

وثانيها: {ولأضلنهم} يعني عن الحق...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

أي إنهم ما يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان بما يوسوس في صدره ويعده ويمنيه كما بينه قوله تعالى: {وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا...} النصيب الحصة والسهم من الشيء وهو ليس نصا في قلة ولا كثرة وقد يتبادر منه القلة، والمفروض المعين وأصله من الفرض والحز في الخشبة كما بيناه في أوائل السورة ومنه الفرض في العطاء. يحتمل أن يكون هذا النصيب طائفة الذين يضلهم ويغويهم ويزين لهم الشرك والمعاصي، وأن يكون حظه من نفس كل فرد من أفراد الناس وهو الاستعداد الفطري للباطل والشر المقابل للاستعداد الفطري للحق والخير وهو المختار.

قال الأستاذ الإمام:

النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد:10] فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله تعالى أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر من نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة اه أقول وقد ورد في القرآن والحديث الصحيح ما يؤيد هذا وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضع آخر من التفسير.

وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جل وعلا هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم وما خلقه الله عليه كقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} [فصلت:11] فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء "كن فيكون "وقولهما: {أتينا طائعين} تكويني أيضا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله تعالى أن توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه. والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه دعاء متمرد على الحق بعيد عن الخير مغري بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

معنى الحكاية عنه بقوله: {لأتّخذّن من عبادك نصيباً مفروضاً} أنّ الله خلق في الشيطان علماً ضرورياً أيقن بمقتضاه أنّ فيه المقدرة على فتنة البشر وتسخيرهم، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان، فذلك هو النصيب المفروض، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلّة... وليس قوله: {من عبادك} إنكاراً من الشيطان لعبوديته لله، ولكنّها جلافة الخطاب النَّاشئة عن خباثة التفكير المتأصّلة في جبلّته،...