{ الحاقّة 1 ما الحاقّة 2 وما أدراك ما الحاقّة 3 كذّبت ثمود وعاد بالقارعة 4 فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية 5 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية 6 سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية 7 فهل ترى لهم من باقية 8 وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة 9 فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية 10 إنا لمّا طغا الماء حملناكم في الجارية 11 لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية 16 }
الحاقّة : القيامة ، من حقّ الشيء إذا ثبت ووجب ، أي : الساعة الثابتة المجيء ، الواجبة الوقوع .
1 ، 2 ، 3- الحاقّة* ما الحاقّة* وما أدراك ما الحاقّة .
افتتاح يهول النفس والقلب ، افتتاح معجز رهيب ، يتحدث عن القيامة ، فهي حاقّة بمعنى أن عذابها حق الكافرين ، ونعيمها حق للمؤمنين ، وحسابها حقّ ليتميز الخبيث من الطيب .
ما الحاقّة . استفهام للتعظيم والاستهوال ، أي من حقها أن يستفهم عنها لعظم أهوالها .
أي شيء أعلمك بها أيها الرسول ؟ فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقين لعظم شأنها وشدة هولها .
إنها سورة تستولي على النفس بجرسها وفواصلها ، وتتابع معانيها ، في قصم الجبّارين ، ووصف القيامة ، وما فيها من عذاب للمجرمين ونعيم للمؤمنين .
وقد ذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده في الصلاة قد بدأ سورة الحاقة ، فاستولت السورة على نفسه ، وأخذ بجلال القرآن وعظمته وبلاغته وبيانه وتتابع معانيه ، وأعلن إسلامه .
و " ما " فى قوله { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة } اسم استفهام المقصود به هنا التهويل والتعظيم ، وهى مبتدأ . وخبرها جملة { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة } وما الثانية وخبرها فى محل نصب سادة مسد المفعول الثانى لقوله { أَدْرَاكَ } لأن أدرى يتعدى لمفعولين ، الأول بنفسه والثانى بالباء ، كما فى قوله - تعالى - : { قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ } .
وهذا الأسلوب الذى جاءت به هذه الآيات الكريمة ، فيه ما فيه من التهويل من شأن الساعة ، ومن التعظيم لأمرها ، فكأنه - تعالى - يقول : يوم القيامة الذى يخوض فى شأنه الكافرون ، والذى تَحِق فيه الأمور وتثبت . أتدرى أى شئ عظيم هو ؟ وكيف تدرى أيها المخاطب ؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم ، ولا بزمان وقوعه ؟
وإنك - أيها العاقل - مهما تصورت هذا اليوم ، فإن أهواله فوق ما تتصور ، وكيفما قدرت لشدائده : فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت .
ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ " الحاقة " الذى قصد به ترويع المشركين ، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق .
كما أن تكرار لفظ " ما " ثلاث مرات ، مستعمل - أيضا - فى التهويل والتعظيم ، كما أن إعادة المبتدأ فى الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه ، بأن قال { مَا الحآقة } ولم يقل ما هى : يدل أيضا على التهويل .
لأن إظهار فى مقام الإِضمار يقصد به ذلك ، ونظيره قوله - تعالى - : { وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين } { وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال } والخطاب فى الآيات الكريمة ، لكل من يصلح له ، لأن المقصود تنبيه الناس إلى أن الساعة حق . وأن الحساب والجزاء فيها حق ، لكى يستعدوا لها بالإِيمان والعمل الصالح .
قال بعض العلماء ما مخلصه : واستعمال " ما أدراك " غير استعمال " ما يدريك " . . فقد روى عن ابن عباس أنه قال : كل شئ من القرآن من قوله { وَمَآ أَدْرَاكَ } فقد أدراه ، وكل شئ من قوله : { وَمَا يُدْرِيكَ } فقد طوى عنه .
فإن صح هذا عنه فمراده أن مفعول " ما أدراك " محقق الوقوع ، لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول " ما يدريك " غير محقق الوقوع لأن الاستفهام فيه للإِنكار ، وهو فى معنى نفى الدراية .
قال - تعالى - : { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ } وقال - سبحانه - { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ }
قوله : { وما أدراك } ، ما استفهامية وهي مبتدأ . ما الثانية مبتدأ ثان ، وخبره الحاقة . والمبتدأ الثاني وخبره في موضع نصب للفعل أدراك{[4612]} .
والحاقة ، اسم من أسماء القيامة وهي يوم الحق . وقد سميت بذلك ، لأن كل إنسان حقيق بأن يجزى بعمله . فهي التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال . أو لأن وقوعها حق لا شك فيه { ما الحاقة } والاستفهام معناه التفخيم والتعظيم لشأن الحاقة ، وهي الساعة ، كأن تقول : زيد ما زيد { وما أدراك ما الحاقة } يخاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم : وأي شيء أعلمك ما هي الحاقة وذلك تعظيم ثان لها . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بصفات القيامة .
يضاف إلى ذلك شدة الإيقاع البليغ الذي يتجلى في كلمة { الحاقة } بحرف القاف فيها ، وبمدها اللازم المثقل .
ومما يتجلى في القرآن من ظواهر الإعجاز ، ملاءمة الألفاظ فيه للمعاني من حيث الرقة واللين ، أو الفخامة والتهويل ، أو الترغيب والتحضيض ، أو الترهيب والتحريض . والحاقة بشدة وقعها على السمع والنفس تكشف لكل سامع متدبر أن أمر الساعة هائل وجلل ، وأن الخطب فيها مذهل وجسيم ومروّع .