ويطوي السياق الطريق بهم ، حتى يقفهم في مشهد أمام أبيهم المفجوع ، وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع . فلا نسمع إلا رده قصيرا سريعا ، شجيا وجيعا . ولكن وراءه أملا لم ينقطع في الله أن يرد عليه ولديه ، أو أولاده الثلاثة بما فيهم كبيرهم الذي أقسم ألا يبرح حتى يحكم الله له . وإنه لأمل عجيب في ذلك القلب الوجيع :
( قال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا ، فصبر جميل ، عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ) . .
( بل سولت لكم أنفسكم أمرا ، فصبر جميل ) . . كلمته ذاتها يوم فقد يوسف . ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك . . ( إنه هو العليم الحكيم ) . . الذي يعلم حاله ، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات ، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب ، عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج .
هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ ؟ إنه الرجاء في الله ، والاتصال الوثيق به ، والشعور بوجوده ورحمته . ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة ، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار .
{ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم83 وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم84 } .
فصبر جميل : هو الذي لا يكون معه ضجر ولا شكوى لأحد .
83 { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل . . . } .
أي : عاد إخوة يوسف من مصر برحالهم ، فأخبروا أباهم بالقصة فقال لهم : بل زينت لكم أنفسكم أمرا أنتم أردتموه ؛ فصبري على ما قلتم صبر جميل ، لا جزع ولا شكوى منه إلا إلى الله تعالى .
وهذا الجواب يشبه جواب يعقوب بأبنائه ، حين جاءوا أباهم يبكون ، وادعوا : أن الذئب أكل يوسف ؛ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل . . .
لقد كان إخوة يوسف متهمين عندما أبعدوا يوسف ، وادعوا : أن الذئب قد أكله ، وكانوا صادقين في حق بنيامين .
لكن حديثهم عن بنيامين نكأ الجرح القديم ، بشأن يوسف فأجابهم الأب جواب المتشكك في براءتهم ؛ فقد سبق أن فجعوه في يوسف ، بعد أن عاهدوه على المحافظة عليه .
{ بل سولت لكم أنفسكم أمرا } . يريد يعقوب بذلك فتياهم : بأخذ السارق بسرقته ؛ فإن هذا الحكم ليس من قوانين مصر ، وإنما هو من قوانين ديانة يعقوب وحدها .
ثم لجأ يعقوب إلى الله تعالى مستعينا به ، راجيا أن يجمع شمله بأبنائه جميعا فقال :
{ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم } .
أي : لعل الله أن يجمع شملي بأبنائي ويرد عليّ يوسف ، وبنيامين ، وروبيل الذي تخلف في مصر ، { إنه هو العليم الحكيم } . إنه هو الواسع العلم الذي يبتلي بحكمة ويرفع البلاء بحكمة ، وقد جرت سنته تعالى أن يجعل بعد الشدة المستحكمة فرجا ، وبعد العسر يسرا .
فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر ، اشتد حزنه وتضاعف كمده ، واتهمهم أيضا في هذه القضية ، كما اتهمهم في الأولى ، و { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي : ألجأ في ذلك إلى الصبر الجميل ، الذي لا يصحبه تسخط ولا جزع ، ولا شكوى للخلق ، ثم لجأ إلى حصول الفرج لما رأى أن الأمر اشتد ، والكربة انتهت فقال : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } أي : يوسف و " بنيامين " وأخوهم الكبير الذي أقام في مصر .
{ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } الذي يعلم حالي ، واحتياجي إلى تفريجه ومنَّته ، واضطراري إلى إحسانه ، { الْحَكِيمُ } الذي جعل لكل شيء قدرا ، ولكل أمر منتهى ، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.