وشمسها ، وقمرها النيرات ، المتولد عنهما ، الليل والنهار ، وكونهما دائما في فلكهما سابحين ، وكذلك النجوم ، فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد ، والفصول ، ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم ، ويستريحون في ليلهم ، ويهدأون ويسكنون وينتشرون في نهارهم ، ويسعون في معايشهم ، كل هذه الأمور إذا تدبرها اللبيب ، وأمعن فيها النظر ، جزم حزما لا شك فيه ، أن الله جعلها مؤقتة في وقت معلوم ، إلى أجل محتوم ، يقضي العباد منها مآربهم ، وتقوم بها منافعهم ، وليستمتعوا وينتفعوا ، ثم بعد هذا ، ستزول وتضمحل ، ويفنيها الذي أوجدها ، ويسكنها الذي حركها ، وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار ، يجدون فيها جزاء أعمالهم ، كاملا موفرا ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعة لدار القرار ، وأنها منزل سفر ، لا محل إقامة .
قوله تعالى : " وهو الذي خلق الليل والنهار " ذكرهم نعمة أخرى : جعل لهم الليل ليسكنوا فيه ، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم " والشمس والقمر " أي وجعل الشمس آية النهار ، والقمر آية الليل ؛ لتعلم الشهور والسنون والحساب ، كما تقدم في " سبحان " {[11254]} بيانه . " كل " يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار " في فلك يسبحون " أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء . قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : " والسابحات سبحا " {[11255]} ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح . وفيه من النحو أنه لم يقل : يسبحن ولا تسبح ، فمذهب سيبويه : أنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل ، أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل ، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه قال الفراء . وقد تقدم هذا المعنى في " يوسف " {[11256]} . وقال الكسائي : إنما قال : " يسبحون " لأنه رأس آية ، كما قال الله تعالى : " نحن جميع منتصر{[11257]} " [ القمر : 44 ] ولم يقل منتصرون . وقيل : الجري للفلك فنسب إليها . والأصح أن السيارة تجري في الفلك ، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة ، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت ، فالقمر في الفلك الأدنى ، ثم عطارد ، ثم الزهرة ، ثم الشمس ، ثم المريخ ، ثم المشتري ، ثم زحل ، والثامن فالك البروج ، التاسع الفلك الأعظم . والفلك واحد أفلاك النجوم . قال أبو عمرو : ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب . وأصل الكلمة من الدوران ، ومنه فلكة المغزل ؛ لاستدارتها . ومنه قيل : فلك ثدي المرأة تفليكا ، وتفلك استدار . وفي حديث ابن مسعود : تركت فرسي كأنه يدور في فلك . كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم . قال ابن زيد : الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر . قال : وهي بين السماء والأرض . وقال قتادة : الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء . وقال مجاهد : الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها . وقال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة مسيرها . وقيل : الفلك موج مكتوف ومجرى الشمس والقمر فيه ، والله أعلم .
قوله : ( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر ) هذه آيات كبريات تعرض لقدرة الله وبالغ عظمته ؛ فهو الخالق المقتدر العليم ، الذي ذرأ الكون وما فيه من خلائق وأجرام وظواهر . ومن جملة ذلك : هذه الظواهر الأربع العجاب التي ذكرتها الآية ههنا . وهي الليل ؛ إذا تغيب الشمس عن شطر عظيم من الأرض فيرخي الظلام سدوله على هذا الشطر ، ليستنيم الناس ويجدوا في ذلك هجعتهم وسكونهم .
ثم النهار بضيائه وإيناسه ، وما يتجلى فيه من مظاهر الحركة والنشاط والجد وكل وجوه السعي والكد والجهاد .
ثم الشمس . هذا الجرم الكوني العجيب الذي يعدل مئات الملايين من المرات مساحة الأرض . وهو كتلة متأججة مستعرة من اللهب المتوقد المضطرم . والشمس ؛ إذ تفيض على الدنيا بالإشراق والضياء والدفء ؛ فإنها تنشر فيها الحياة والنماء والحرارة وكل أسباب العطاء والقرار .
ثم القمر ، هذا الجرم الساطع اللامع المتلألئ المحبوب ، الذي يثير في الدنيا الجمال والسرور وينشر في النفس البهجة والسكينة والحبور . لا جرم أن هذه الآيات الكبريات لأعظم شاهد على قدرة الخالق المبدع الدّيّان .
قوله : ( كل في فلك يسبحون ) الفَلَك بالتحريك ، مدار النجوم وجمعه أفلاك . والفلك من كل شيء مستداره ومعظمه{[3032]} هذا في اللغة . والمرد به هنا أنه المتسع من السماء الذي تجري فيه الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب . ولكل واحد منها فلك يخصه ويدور فيه .
وقوله : ( يسبحون ) أي يسيرون ويدورون . والضمير ، للشمس والقمر . والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة وهي متكاثرة . وقيل : ثمة معطوف وهو ، والنجوم ؛ أي أن كل واحد من هذه النجوم والأجرام سواء الشمس والقمر وغيرهما إنما يدور في فلكه وهو متسعه ومستداره الذي يدور فيه{[3033]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.