تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} (33)

وشمسها ، وقمرها النيرات ، المتولد عنهما ، الليل والنهار ، وكونهما دائما في فلكهما سابحين ، وكذلك النجوم ، فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد ، والفصول ، ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم ، ويستريحون في ليلهم ، ويهدأون ويسكنون وينتشرون في نهارهم ، ويسعون في معايشهم ، كل هذه الأمور إذا تدبرها اللبيب ، وأمعن فيها النظر ، جزم حزما لا شك فيه ، أن الله جعلها مؤقتة في وقت معلوم ، إلى أجل محتوم ، يقضي العباد منها مآربهم ، وتقوم بها منافعهم ، وليستمتعوا وينتفعوا ، ثم بعد هذا ، ستزول وتضمحل ، ويفنيها الذي أوجدها ، ويسكنها الذي حركها ، وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار ، يجدون فيها جزاء أعمالهم ، كاملا موفرا ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعة لدار القرار ، وأنها منزل سفر ، لا محل إقامة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} (33)

قوله تعالى : " وهو الذي خلق الليل والنهار " ذكرهم نعمة أخرى : جعل لهم الليل ليسكنوا فيه ، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم " والشمس والقمر " أي وجعل الشمس آية النهار ، والقمر آية الليل ؛ لتعلم الشهور والسنون والحساب ، كما تقدم في " سبحان " {[11254]} بيانه . " كل " يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار " في فلك يسبحون " أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء . قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : " والسابحات سبحا " {[11255]} ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح . وفيه من النحو أنه لم يقل : يسبحن ولا تسبح ، فمذهب سيبويه : أنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل ، أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل ، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه قال الفراء . وقد تقدم هذا المعنى في " يوسف " {[11256]} . وقال الكسائي : إنما قال : " يسبحون " لأنه رأس آية ، كما قال الله تعالى : " نحن جميع منتصر{[11257]} " [ القمر : 44 ] ولم يقل منتصرون . وقيل : الجري للفلك فنسب إليها . والأصح أن السيارة تجري في الفلك ، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة ، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت ، فالقمر في الفلك الأدنى ، ثم عطارد ، ثم الزهرة ، ثم الشمس ، ثم المريخ ، ثم المشتري ، ثم زحل ، والثامن فالك البروج ، التاسع الفلك الأعظم . والفلك واحد أفلاك النجوم . قال أبو عمرو : ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب . وأصل الكلمة من الدوران ، ومنه فلكة المغزل ؛ لاستدارتها . ومنه قيل : فلك ثدي المرأة تفليكا ، وتفلك استدار . وفي حديث ابن مسعود : تركت فرسي كأنه يدور في فلك . كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم . قال ابن زيد : الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر . قال : وهي بين السماء والأرض . وقال قتادة : الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء . وقال مجاهد : الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها . وقال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة مسيرها . وقيل : الفلك موج مكتوف ومجرى الشمس والقمر فيه ، والله أعلم .


[11254]:راجع جـ 10 ص 227 فما بعد.
[11255]:راجع جـ 19 ص 188.
[11256]:راجع جـ 9 ص 122.
[11257]:راجع جـ 17 ص 145.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} (33)

قوله : ( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر ) هذه آيات كبريات تعرض لقدرة الله وبالغ عظمته ؛ فهو الخالق المقتدر العليم ، الذي ذرأ الكون وما فيه من خلائق وأجرام وظواهر . ومن جملة ذلك : هذه الظواهر الأربع العجاب التي ذكرتها الآية ههنا . وهي الليل ؛ إذا تغيب الشمس عن شطر عظيم من الأرض فيرخي الظلام سدوله على هذا الشطر ، ليستنيم الناس ويجدوا في ذلك هجعتهم وسكونهم .

ثم النهار بضيائه وإيناسه ، وما يتجلى فيه من مظاهر الحركة والنشاط والجد وكل وجوه السعي والكد والجهاد .

ثم الشمس . هذا الجرم الكوني العجيب الذي يعدل مئات الملايين من المرات مساحة الأرض . وهو كتلة متأججة مستعرة من اللهب المتوقد المضطرم . والشمس ؛ إذ تفيض على الدنيا بالإشراق والضياء والدفء ؛ فإنها تنشر فيها الحياة والنماء والحرارة وكل أسباب العطاء والقرار .

ثم القمر ، هذا الجرم الساطع اللامع المتلألئ المحبوب ، الذي يثير في الدنيا الجمال والسرور وينشر في النفس البهجة والسكينة والحبور . لا جرم أن هذه الآيات الكبريات لأعظم شاهد على قدرة الخالق المبدع الدّيّان .

قوله : ( كل في فلك يسبحون ) الفَلَك بالتحريك ، مدار النجوم وجمعه أفلاك . والفلك من كل شيء مستداره ومعظمه{[3032]} هذا في اللغة . والمرد به هنا أنه المتسع من السماء الذي تجري فيه الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب . ولكل واحد منها فلك يخصه ويدور فيه .

وقوله : ( يسبحون ) أي يسيرون ويدورون . والضمير ، للشمس والقمر . والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة وهي متكاثرة . وقيل : ثمة معطوف وهو ، والنجوم ؛ أي أن كل واحد من هذه النجوم والأجرام سواء الشمس والقمر وغيرهما إنما يدور في فلكه وهو متسعه ومستداره الذي يدور فيه{[3033]} .


[3032]:- القاموس المحيط ص 1227.
[3033]:- البحر المحيط جـ6 ص 227، 288 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 178.