تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (66)

ثم إن هذا الحكم خففه اللّه على العباد فقال : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ْ } فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف ، . { فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ْ } بعونه وتأييده .

وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين ، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين في مقابلته من الكفار ، وأن اللّه يمتن عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية .

ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن اللّه أمر المؤمنين - في أول الأمر - أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة ، والعشرة من المائة ، والمائة من الألف .

ثم إن اللّه خفف ذلك ، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار ، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار ، ولكن يرد على هذا أمران : .

أحدهما : أنها بصورة الخبر ، والأصل في الخبر أن يكون على بابه ، وأن المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع . .

والثاني : تقييد ذلك العدد أن يكونوا صابرين بأن يكونوا متدربين على الصبر .

ومفهوم هذا أنهم إذا لم يكونوا صابرين ، فإنه يجوز لهم الفرار ، ولو أقل من مثليهم [ إذا غلب على ظنهم الضرر ]{[354]}  كما تقتضيه الحكمة الإلهية .

ويجاب عن الأول بأن قوله : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ْ } إلى آخرها ، دليل على أن هذا أمر{[355]}  لازم وأمر محتم ، ثم إن اللّه خففه إلى ذلك العدد ، . فهذا ظاهر في أنه أمر ، وإن كان في صيغة الخبر . .

وقد يقال : إن في إتيانه بلفظ الخبر ، نكتة بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر ، . وهي تقوية قلوب المؤمنين ، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين . .

ويجاب عن الثاني : أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين ، أنه حث على الصبر ، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك[ فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر اللّه به من النصر لهذا العدد القليل ]{[356]}


[354]:- زيادة من هامش ب.
[355]:- في ب: الأمر.
[356]:- زيادة من هامش ب.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (66)

ثم إنه جاء التخفيف فقال : " ألآن خفف الله عنكم " قرأ أبو{[7796]} توبة إلى قوله : " مائة صابرة يغلبوا مائتين " . قال : فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم . وقال ابن العربي : قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونسخ . وهذا خطأ من قائله . ولم ينقل قط أن المشركين صافوا المسلمين عليها ، ولكن الباري جل وعز فرض ذلك عليهم أولا ، وعلق{[7797]} ذلك بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه ، وهو الثواب . وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه .

قلت : وحديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض . ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين ، فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين ، فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ . وهذا حسن . وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه ، أو غير عدده فجائز أن يقال إنه نسخ ؛ لأنه حينئذ ليس بالأول ، بل هو غيره . وذكر في ذلك خلافا .


[7796]:من ب و ج و ز و هـ و ك.
[7797]:هكذا في نسخ الأصل، والذي في ابن العربي: "وعلله بأنكم .... الخ".
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (66)

قوله : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } { حرض } ، من التحريض وهو الحث والإحماء{[1690]} يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحث المؤمنين ويحضهم حضا على قتال الأعداء في شجاعة وإقدام ؛ فلا يجبنوه ولا ينثنون ولا يتخاذلون ولا يولون الأدبار عند اللقاء ؛ فإنه لا يولي دبره عند اللقاء خائرا إلا الأنذال والخاسرون . ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال وعند مواجهة عدوهم . ونظير ذلك ما قاله لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في أعدادهم وجموعهم : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) .

قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } ذلك تبشير من الله للمؤمنين بالنصر إن واجه الواحد منهم العشرة من الكافرين . لسوف ينصر الله المؤمنين على قلتهم إن كانوا صابرين ثابتين محتسبين . ثم نسخ هذا التكليف وبقيت البشارة وذلك أنه شق عليهم حين فرض الله عليهم أن لا يفر الواحد منهم من العشرة من الكافرين في القتال . وروي عن ابن عباس قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء التخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم } إلى قوله : { يغلبوا مائتين } وروي البخاري نحوه . وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين . ثم خفف الله عنهم فقال : { لآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين .

وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس : نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ، ومائة ألفا . فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم . وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم .

قال القرطبي في ذلك : حديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض . ولما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين . فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين ؛ فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ . وهذا حسن{[1691]} .

قوله : { بأنهم قوم لا يفقهون } أي بسبب أن الكافرين سخفاء ، وأنهم تافهون أشقياء يقاتلون في سبل الشيطان ، ويموتون من أجل الباطل ؛ حيث الأهواء والشهوات والسفاسف الرخيصة ، غير عابئين بمرضاة الله ولا مكترثين بأيما احتساب للثواب عنده ؛ فلا يستحقون بذلك من الله نصرا . إنما النصر للمؤمنين الذين يقاتلون على بصيرة طلبا لمرضاة الله وسعيا لنشر الحق والعدل وإشاعة الفضيلة والرحمة بين الناس .

وقد بينا آنفا أن الله خفف عن المسلمين في عدد الذين يتوجب عليهم الثبات عند اللقاء فلا يفرون ؛ فأوجب عليهم أن لا يفر الرجل من الرجلين ، وأن تصبر العشرة للعشرين ، والمائة للمائتين ، فإنهم ؛ إن أعدوا وصبروا وتوكلوا على الله ، فإن الله ناصرهم ، وهازم عدوهم{[1692]} .


[1690]:مختار الصحاح ص 130.
[1691]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 342 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 45.
[1692]:الكشاف جـ 2 ص 167 وتفسير النفسي جـ 2 ص 110 وتفسير الطبري جـ 10 ص 28.