تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (181)

ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية ، لما يتوهمه أن من بعده ، قد يبدل ما وصى به قال تعالى : { فَمَنْ بَدَّلَهُ } أي : الإيصاء للمذكورين أو غيرهم { بَعْدَمَا سَمِعَهُ } [ أي : ] بعدما عقله ، وعرف طرقه وتنفيذه ، { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } وإلا فالموصي وقع أجره على الله ، وإنما الإثم على المبدل المغير .

{ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع سائر الأصوات ، ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته ، فينبغي له أن يراقب من يسمعه ويراه ، وأن لا يجور في وصيته ، { عَلِيمٌ } بنيته ، وعليم بعمل الموصى إليه ، فإذا اجتهد الموصي ، وعلم الله من نيته ذلك ، أثابه ولو أخطأ ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل ، فإن الله عليم به ، مطلع على ما فعله ، فليحذر من الله ، هذا حكم الوصية العادلة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (181)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " فمن بدله " شرط ، وجوابه " فإنما إثمه على الذين يبدلونه " و " ما " كافة " لإن " عن العمل . و " إثمه " رفع بالابتداء ، " على الذين يبدلونه " موضع الخبر . والضمير في " بدله " يرجع إلى الإيصاء ؛ لأن الوصية في معنى الإيصاء ، وكذلك الضمير في " سمعه " ، وهو كقوله : " فمن جاءه موعظة من ربه{[1530]} " [ البقرة :275 ] أي وعظ ، وقوله : " إذا حضر القسمة{[1531]} " [ النساء : 8 ] أي المال ، بدليل قوله " منه " . ومثله قول الشاعر :

* ما هذه الصوت*

أي الصيحة . وقال امرؤ القيس :

بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ *** كخرعوبة البانة المُنْفَطِرِ{[1532]}

والمنفطر المنتفخ بالورق ، وهو أنعم ما يكون ، ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة . و " سمعه " يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه ، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده ، وذلك عدلان . والضمير في " إثمه " عائد على التبديل ، أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت ، فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي . وقيل : إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم .

الثانية : في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وصار الولي مطلوبا به ، له الأجر في قضائه ، وعليه الوزر في تأخيره . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : " وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه ، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه " .

الثالثة : ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه ، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث ، قاله أبو عمر .

الرابعة : قوله تعالى : " إن الله سميع عليم " صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين .


[1530]:راجع ج 3 ص 309.
[1531]:راجع ج 5 ص 48.
[1532]:البرهرهة: الرقيقة الجلد، أو هي الملساء المترجرجة. الرؤدة والرءودة: الشابة الحسنة، السريعة الشباب مع حسن غذاء. والرخصة: اللينة الخلق. والخرعوبة: القضيب الغض اللدن. والبانة: يريد شجر البان.