116 - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ .
تعالى الله : ترفع الله بذاته وتنزه .
الملك الحق : المالك الثابت الملك دون سواه .
العرش : العرش قي اللغة : سرير الملك ، ويكنى به عن العز والسلطان ، والعرش كائن عظيم يحيط بالكون ، وتصدر من جهته أوامر الله تعالى إلى ملائكته دون أن يكون الله فيه ؛ لاستحالة أن يكون لله مكان . قال المراغي : العرش مركز تدبير العالم .
الكريم : الشريف ، وكل ما كرم في جنسه يوصف بالكرم مثل : وزروع ومقام كريم . ( الدخان : 26 ) . وقوله تعالى : وقل لهما قولا كريما . ( الإسراء : 23 ) .
فتنزه الله بذاته عن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة فهو سبحانه حكيم في أفعاله ، وكل عاقل لا يعمل عملا إلا لحكمة ، ومن باب أولى الله المتصف بكل كمال والمنزه عن كل نقص ، فهو الملك الحق ذو الملك والملكوت الذي لا يفنى ملكه ، وهو الإله الحق الواحد الأحد الفرد الصمد ، وهو الذي لا يفنى والإنس والجن يموتون ، وهو سبحانه مالك العرش العظيم في مكانته وشرفه .
فذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات ، ووصفه بأنه كريم ، أي : حسن المنظر بهي الشكل ، كما قال تعالى : فأنبتنا فيها من كل زوج كريم . ( لقمان : 10 ) . وكانت آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ، أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس ، إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولن تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل ، الله فيه للحكم بينكم ، والفصل بينكم ، فخاب وخسر وشقى عبد أخرجه الله من رحمته ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن من عذاب الله غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه ، وباع نافدا بباق ، وقليلا بكثير ، وخوفا بأمان ، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين ، وسيكون من بعدكم الباقين ، حتى تردوا إلى خير الوارثين ؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل ، قد قضى نحبه ، وانقضى أجله ، حتى تغيبوه في صدع من الأرض ، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد ، قد فارق الأحباب ، وباشر التراب ، وواجه الحساب ، مرتهن بعمله ، غنى عما ترك ، فقير إلى ما قدم ، فاتقوا الله عباد الله ، قبل انقضاء مواثيقه ، ونزول الموت بكم ، ثم جعل طرف ردائه على وجهه ، فبكى وأبكى من حولهxxxiv .
وروى أبو نعيم ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبيه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية ، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . قال : فقرأناها فغنمنا وسلمناxxxv .
{ فتعالى الله } استعظام له تعالى ولشؤونه سبحانه التي يصرف عليها عباده جل وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة البالغة أي ارتفع سبحانه بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة .
{ الملك الحق } أي الحقيق بالمالكية على الإطلاق إيجاداً وإعداماً بدأ وإعادة إحياء وإماتة عقاباً وإثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوتيته ، وقيل : الحق أي الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه ، وهذا وإن كان أشهر إلا أن الأول أوفق بالمقام { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فإن كل ما عداه عبيده تعالى : { رَبُّ العرش الكريم } وهو جرم عظيم وراء عالم الأجسام والأجرام وهو أعظمها وقد جاء في وصف عظمه ما يبهر العقول فيلزم من كونه تعالى ربه كونه سبحانه رب كل الأجسام والأجرام ، ووصف بالكريم لشرفه وكل ما شرف في بابه وصف بالكرم كما في قوله تعالى : { وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [ الدخان : 26 ] وقوله سبحانه : { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } [ الإسراء : 23 ] إلى غير ذلك .
وقد شرف بما أودع الله تعالى فيه من الأسرار ، وأعظم شرف له تخصيصه باستوائه سبحانه عليه ، وقيل إسناد الكرم إليه مجازي والمراد الكريم ربه أو المراد ذلك على سبيل الكناية ، وقيل : هو على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخص كريم ولعل ما ذكرناه هو الأظهر .
وقرأ أبان بن تغلب . وابن محيصن . وأبو جعفر . وإسماعيل عن ابن كثير { الكريم } بالرفع على أنه صفة الرب ، وجوز أن يكون صفة للعرش على القطع وقد يرجح بأنه أوفق بقراءة الجمهور .
قوله : ( فتعالى الله الملك الحق ) تقدس الله وتعظم أن يخلق شيئا عبثا وسدىً ؛ فإنه الإله الملك الحق المنزه عن العبث والباطل . أو تنزه وتعالى عما يصفه به المشركون بأن له شركاء وأندادا ( لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) ما من إله سوى الله وحده . وما من معبود تنبغي له العبادة والطاعة والامتثال غيره سبحانه . فهو الإله الواحد ، مالك الخلق الهائل ، وهو العرش ، ووصف العرش بالكريم ؛ لاستواء الله عليه . أو لما يتنزل منه من خير ورحمة{[3209]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.