20- { وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } .
ذكرنا أن هؤلاء الكفار أخطأوا خطأ مركبا :
( ب ) واختاروا له الصنف الأضعف .
( ج ) وجعلوا الملائكة -وهم عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون- جعلوهم إناثا .
( د ) وادعوا كذبا أن الله أراد منهم ذلك ، ولو شاء لمنعهم من عبادتهم .
وقد كان العرب يصورون الأصنام ، التي هي على صور الملائكة ، ويدعون أنها بنات الله ، ويدعون أن الله عالم بذلك ، وهو يقرهم على هذا العمل ولو شاء لمنعهم .
فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ ، ذلك أن الله أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، وأرشد البشرية إلى عبادته وحده سبحانه لا شريك له .
قال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } . ( الأنبياء : 25 ) .
وقد أعطى الله كل إنسان العقل والإرادة والاختيار ، وجعل سلوكه سببا في تحمله المسئولية يوم القيامة ، فلا يجوز إلقاء المسؤولية على مشيئة الله تعالى .
وقريب من ذلك قوله سبحانه تعالى : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( 28 ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) } . ( الأعراف : 28-30 ) .
ليس لهم في قولهم دليل ولا برهان ولا معرفة ، بما ينبغي لجلال الله وقدره ، من عبادته وحده لا شريك له .
ما هم إلا كاذبون فيما قالوا ، متمحلون تمحلا باطلا ، متقولون على الله ما لم يقله .
{ وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم . . . }
وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل ، فكل شيء بإرادة الله ، والمشيئة غير الرضا ، ولا يصح الاحتجاج بالمشيئة ، فإنهم لو عبدوا الله بدل الأصنام ، لعلمنا أن الله أراد منهم ذلك . اه .
وقال الشوكاني في تفسير الآية :
{ وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم . . . }
معناه أن الكفار قالوا : لو شاء الرحمان في زعمكم أيها المؤمنون ، ما عبدنا هذه الملائكة ، وهذا كلام حق يراد به باطل ، لأنهم يريدون بذلك أن الله راض عن عبادتهم للأصنام .
أي : ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ، ويتمحلون تمحلا باطلا ، فإن الله خلق المؤمن والكافر ، وهو يحب المؤمن ، ويبغض الكافر ، والله يأمر بالحق والإيمان والخير ، ولا يرضى لعباده الكفر .
{ وَيُسْئَلُونَ وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم } عطف على قوله سبحانه : { وَجَعَلُواْ الملئكة } [ الزخرف : 19 ] الخ إشارة إلى أنه من جنس ادعائهم أنوثة الملائكة في أنهم قالوه من غير علم ، ومرادهم بهذا القول على ما قاله بعض الأجلة الاستدلال بنفي مشيئة الله تعالى ترك عبادة الملائكة عليهم السلام على امتناع النهي عنها أو على حسنها فكأنهم قالوا : إن الله تعالى لم يشأ ترك عبادة الملائكة عليهم السلام على امتناع النهي عنها أو على حسنها فكأنهم قالوا : إن الله تعالى لم يشأ ترك عبادتنا الملائكة ولو شاء سبحانه ذلك لتحقق بل شاء جل شأنه العبادة لأنها المتحققة فتكون مأموراً بها أو حسنة ويمتنع كونها منهياً عنها أو قبيحة ، وهو استدلال باطل لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن لأنها ترجيح بعض الممكنات على بعض حسناً كان أو قبيحاً فلذلك جهلوا بقوله سبحانه : { مَّا لَهُم بِذَلِكَ } القول على الوجه الذي قصدوه منه ، وحاصله يرجع إلى الإشارة إلى زعمهم أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها أو حسن ما تعلقت به { مِنْ عِلْمٍ } يستند إلى سند ما .
{ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون كما فسره به غير واحد ، ويطلق الخرص على الحزر وهو شائع بل قيل : إنه الأصل وعلى كل هو قول عن ظن وتخمين .
وقوله تعالى : { وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة ، وهي حجة لم يزل المشركون يطرقونها ، وهي حجة باطلة في نفسها ، عقلا وشرعا . فكل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر ، ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه .
وأما شرعا ، فإن اللّه تعالى أبطل الاحتجاج به ، ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله ، فإن اللّه تعالى قد أقام الحجة على العباد ، فلم يبق لأحد عليه حجة أصلا ، ولهذا قال هنا : { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } أي : يتخرصون تخرصا لا دليل عليه ، ويتخبطون خبط عشواء .
{ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 20 ) }
وقال هؤلاء المشركون من قريش : لو شاء الرحمن ما عبدنا أحدًا من دونه ، وهذه حجة باطلة ، فقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فاحتجاجهم بالقضاء والقَدَر مِن أبطل الباطل مِن بعد إنذار الرسل لهم . ما لهم بحقيقة ما يقولون مِن ذلك مِن علم ، وإنما يقولونه تخرُّصًا وكذبًا ؛ لأنه لا خبر عندهم من الله بذلك ولا برهان .
قوله تعالى : { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } يعني الملائكة ، قاله قتادة ومقاتل والكلبي ، قال مجاهد : يعني الأوثان ، وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتها . قال الله تعالى :{ ما لهم بذلك من علم } فيما يقولون ما هم إلا كاذبون في قولهم : إن الله تعالى رضي منا بعبادتها ، وقيل : إن هم إلا يخرصون ، فيما يقولون { إن هم إلا يخرصون } في قولهم : إن الملائكة إناث وأنهم بنات الله .
قوله : { وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم } قال المشركون الضالون : لو أراد الله أن لا نعبد هذه التماثيل التي هي على صورة الملائكة لما عبدناها ، ولكان قد حال بيننا وبين أن نعبدها ، أو لأنزل بنا عقابه بعبادتها . وإنما لم ينزل بنا عقابه لرضاه بعبادتنا إياها .
تلك كانت حجة المشركين السفهاء فرد الله احتجاجهم الباطل بقوله : { مّا لهم بذلك من علم } أي ليس لهم فيما قالوه من أن الله لو شاء أن لا يعبدوا الملائكة ما عبدوها ، من علم ، بل قالوا ذلك جهلا وسفها بغير علم وهو قوله : { إن هم إلاّ يخرصون } أي ما قالوا ذلك إلا تقولا وافتراء وتخريصا{[4132]} .