فاصدع بما تؤمر : أي : اجهر بما تؤمر من : صدع بالحجة ؛ إذا تكلم بها جهارا .
إنا كفيناك المستهزئين : الذين كانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويسخرون ، فأهلكهم الله كلهم يوم بدر .
{ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين*إنا كفيناك المستهزئين } .
أي : اجهر بدعوتك يا محمد ، وبلغ رسالتك علنا ، أو اجهر بصلاتك ، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم .
{ وأعرض عن المشركين } . لا تبال بما يقولون ولا يهمنك قولهم . اه .
قال عبد الله بن مسعود : مازال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته ، حتى نزلت هذه الآية ، فخرج هو وأصحابه . { إنا كفيناك المستهزئين } . وهذه الآية كالتعليل لما سبقها ، أي : إن الله هو حارسك وولي أمرك ، وحافظك حين تجهر بالدعوة ، وتعلن على الملإ : إنك رسول الله حقا ، تدعو إلى توحيد الله والتصديق برسوله وباليوم الآخر ، وقد تحقق وعد الله لنبيه ، فأهلك أعداءه من كبار المشركين ، ببوائق من الله أصابتهم ، لم يسع بها محمد ولا تكلّف فيها مشقة .
( وقال عروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير : المستهزئون خمسة نفر ، الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب أبو زمعة ، والأسود بن يغوث ، والحارث بن قيس )xliii .
وقد ماتوا جميعا بأهون الأسباب ، وقال قوم : هم سبعة من أشراف قريش ومشركيها ، كانت لهم قوة وشوكة ، وكانوا كثيري السفاهة والأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرونه ، أو يمر بهم ، أفناهم الله وأبادهم وأزال كيدهم .
وقد اختلف المفسرون في عدد هؤلاء المستهزئين وفي أسمائهم ، ولا حاجة إلى شيء منها ، والقدر المعلوم : أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة ، دبروا الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأفناهم الله وأبادهم ، وجعلهم عبرة لكل من يجرؤ على الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه سلمxliv .
{ إِنَّا كفيناك المستهزئين } بك أو بك وبالقرآن كما روي عن ابن عباس بقمعهم وتدميرهم . أخرج الطبراني في الأوسط . والبيهقي . وأبو نعيم كلاهما في الدلائل . وابن مردويه بسند حسن قال : المستهزئون الويد بن المغيرة . والأسود بن عبد يغوث . والأسود بن المطلب . والحرث بن عيطل السهمي . والعاص بن وائل فأتاه جبريل عليه السلام فشكاهم إليه فأراه الوليد فأومأ جبريل عليه السلام إلى أكحله فقال صلى الله عليه وسلم : ما صنعت شيئاً قال : كفيتكه ، ثم أراه الأسود بن المطلب فأومأ إلى عينيه فقال : ما صنعت شيئاً قال : كفيتكه ، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه فقال : ما صنعت شيئاً قال : كفيتكه ؛ ثم أراه الحرث فأومأ إلى بطنه فقال : ما صنعت شيئاً قال : كفيتكه ، ثم أراه العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه فقال : ما صنعت شيئاً قال : كفيتكه . فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها ، وأما الأسود بن المطلب فنزل تحت سمرة فجعل يقول : يا بني ألا تدفعون عني قد هلكت أطعن بالشوك في عيني فجعلوا يقولون : ما نرى شيءاً فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه ، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها ؛ وأما الحرث فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج رجيعه من فيه فمات منه ، وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل في أخمص قدمه شوكة فقتلته ، وقال الكرماني في «شرح البخاري » : إن المستهزئين هم السبعة الذين ألقوا الأذى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي كما جاء في حديث البخاري وهم : عمرو بن هشام . وعتبة بن ربيعة . وشيبة بن ربيعة . والوليد بن عتبة . وأمية بن خلف . وعقبة بن معيط ، وعمارة بن الوليد ، وفي الأعلام للسهيلي أنهم قذفوا بقليب بدر وعدهم بخلاف ما ذكر . وفي «الدر المنثور » وغيره روايات كثيرة مختلفة في عدتهم( {[518]} ) وأسمائهم وكيفية هلاكهم ، وعد الشعبي منهم هبار بن الأسود . وتعقبه في «البحر » بأن هباراً أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة فعده وهم ، وهذا متعين إذا كانت كفايته عليه السلام إياهم بالإهلاك كما هو الظاهر ، وقد ذكر الإمام نحو ما ذكرنا من اختلاف الروايات ثم قال : ولا حاجة إلى شيء من ذلك ، والقدر المعلوم أنهم كانوا طائفة لهم قوة وشوكة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على مثل هذه السفاهة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في علو قدره وعظم منصبه ، ودل القرآن على أن الله سبحانه أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.