تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (83)

80

{ يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون } .

أي : إن هؤلاء المشركين ، يعرفون نعم الله المتعددة ، التي ذكرت في هذه السورة ، فالأدلة متوافرة على أن خالق هذه النعم هو الله ، بل إنهم يعترفون بأن خالقهم هو الله بأقوالهم ؛ ولكنهم ينكرون ذلك بسلوكهم وأفعالهم .

{ وأكثرهم الكافرون } . أي : وأكثر هؤلاء المشركين يجحدون نعم الله لا عن جهل بها ، بل عن علم ومعرفة ، ويجحدون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم مع يقينهم بصدقه وأمانته .

قال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . . . } ( النمل : 14 ) .

وقال عز شأنه : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ( الأنعام : 33 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (83)

{ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } استئناف لبيان أن تولي المشركين وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه أصلاً فإنهم يعرفونها أن من الله تعالى { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بأفعالهم حيث لم يفردوا منعمها بالعبادة فكأنهم لم يعبدوه سبحانه أصلاً وذلك كفران منزل منزلة الإنكار .

وأخرج ابن جرير . وغيره عن مجاهد أنه قال : إنكارهم إياها قولهم : ورثناها من آبائنا ، وأخرج هو وغيره أيضاً عن عون بن عبد الله أنه قال : إنكارهم إياها أن يقول الرجل : لولا فلان أصابني كذا وكذا ولولا فلان لم أصب كذا وكذا وفي لفظ إنكارها إضافتها إلى الأسباب ، وقيل : قولهم هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى ، وحكى صاحب الغنيان يعرفونها في الشدة ثم ينكرونها في الرخاء ، وقيل : يعرفونها بقلوبهم ثم ينكرونها بألسنتهم .

وأخرج ابن المنذر وغيره عن السدي أنه قال النعمة هنا محمد صلى الله عليه وسلم ورجح ذلك الطبري أي يعرفون أنه عليه الصلاة والسلام نبي بالمعجزات ثم ينكروه ذلك ويجحدونه عناداً ، وفي لفظ ابن أبي حاتم أنه قال هذا في حديث أبي جهل والأخنس حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد صلى الله عليه وسلم فقال : هو نبي .

ومعنى { ثُمَّ } الاستبعاد الإنكار بعد المعرفة لأن حق من عرف النعمة الاعتراف بها وأداء حقها لا إنكارها ، وإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب حال البعض إلى الكل فإن بعضهم ليسوا كذلك كما هو ظاهر قوله سبحانه : { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } أي المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر ، والحكم عليهم بمطلق الكفر المئذن بالكمال من حيث الكمية لا ينافي كمال الفرقة الأولى من حيث الكيفية كذا قيل ، وجوز أن يكون الإسناد السالف على ظاهره والمراد أن أكثرهم المصرون الثابتون على كفرهم إلى يوم يلقونه فالتعبير بالأكثر لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن ، وقيل : المعنى وأكثرهم الجاحدون عناداً ، والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله وعدم اهتدائه إليه أو لعدم نظره في الأدلة نظراً يؤدي إلى المطلوب أو لأنه لم يقم عليه الحجة لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه وإما لأنه يقام مقام الكل فتأمل .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } لعنادهم وغلبة صفات نفوسهم { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } [ النحل : 83 ] لشهادة فطرهم بحقيته