ثم ختم سبحانه الحديث عن النفقة والمنفقين بقوله :
274- { الذين ينفقون أموالهم في الليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وقوله : { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } استئناف المقصود منه مدح أولئك الذين يعممون صدقتهم في كل الأزمان وفي كل الأحوال فهم يتصدقون على المحتاجين في الليل وفي النهار وفي الغدو وفي الآصال وفي السر وفي العلن وفي كل وقت وفي كل وقت وفي كل حال لأنهم لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما يرضي الله تعالى .
و قد بين الله تعالى في ثلاث جمل حسن عاقبتهم فقال في الجملة الأولى : { فلهم أجرهم عند ربهم } فلهم أجرهم الجزيل عند خالقهم ومربيهم ورازقهم .
و الجملة الكريمة خبر لقوله : { الذين ينفقون . . . } ودخلت الفاء في الخبر لان الموصول في معنى الشرط فتدخل الفاء في خبره جوازا والدلالة على سبيله ما قبلها لما بعدها أي أن استحقاق الأجر متسبب عن الإنفاق في سبيل الله .
و قال في الجملة الثانية : { و لا خوف عليهم } أي لا خوف عليهم من أي عذاب لأنهم في مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح .
و قال في الجملة الثالثة : { و لا هم يحزنون } أي لا يصيبهم ما يؤدي به إلى الحزن والهم والغم لأنهم دائما في اطمئنان يدفع عنه الهموم والأحزان وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها أن علي بن أبي طالب كان يملك اربعة دراهم فتصدق بدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فقال له النبي صلى اله عليه وسلم ما حملك على ذلك : فقال أريد أن أكون أهلا لما وعدني ربي فقال : صلى الله عليه وسلم لك ذلك فأنزل الله هذه الآية " ( 64 ) .
و الحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها فهي تنطبق على كل من بذل ماله في سبيل الله في عموم الأوقات والأحوال .
أما بعد : فهذه أربع عشرة آية بدأت من قوله تعالى :
{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سنابل . . . }و انتهت بقوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
والذي يقرأ هذه الآيات الكريمة بتدبر وتعقل يراها قد حضت الناس على الإنفاق في سبيل الله بأبلغ الأساليب وأحكم التوجيهات وأفضل الوسائل كما يراها قد بينت أحكام الصدقة وآدابها والآفات التي تذهب بخيرها وضربت الأمثال لذلك كما يراها قد بينت أنواعها وطريقة أدائها وأولى الناس بها ورسمت صورة كريمة للفقراء المتعففين وكما بدأت الآيات حديثها بالثناء الجميل على المنفقين فقد ختمته أيضا بالثناء عليهم وبالعاقبة الحسنى التي أعدها الله لهم .
و لو أن المسلمون أخذوا بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة في دنياهم ولنالوا رضا الله ومثوبته في أخراهم .
{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم الذين يُنفِقُونَ أموالهم بالليل } أي يعممون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة ، فالمراد بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال ، وقدم الليل على النهار والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار ، وانتصاب ( سراً وعلانية ) على أنهما مصدران في موضع الحال أي مسرين/ ومعلنين ، أو على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على مذهب سيبويه ، أو نعتان لمصدر محذوف أي إنفاقاً سراً ، والباء بمعنى في ، واختلف فيمن نزلت ، فأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً وبالنهار درهماً ، وسراً درهماً وعلانية درهماً ، وفي رواية الكلبي «فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حملك على هذا ؟ قال : حملني أن استوجب على الله تعالى الذي وعدني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن ذلك لك » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب أن الآية كلها في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في نفقتهم في جيش العسرة ، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حسن بن عبد الله الصنعاني أنه سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول في هذه الآية : { الذين يُنفِقُونَ } الخ هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله تعالى وهو قول أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد ولا يأبى ذلك ذكر السر والعلانية كما لا يخفى ، وقال بعضهم : إنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية ، وتعقبه الإمام السيوطي بأن حديث تصدقه بأربعين ألف دينار رواه ابن عساكر في «تاريخه » عن عائشة رضي الله تعالى عنهما ، وخبر إن الآية نزلت فيه لم أقف عليه وكأن من ادعى ذلك فهمه مما أخرجه ابن المنذر عن ابن إسحق قال : لما قبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، واستخلف عمر خطب الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أيها الناس إن بعض الطمع فقر وإن بعض اليأس غنى وإنكم تجمعون مالا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون واعلموا أن بعضاً من الشح شعبة من النفاق فأنفقوا خيراً لأنفسكم فأين أصحاب هذه الآية وقرأ الآية الكريمة ، وأنت تعلم أنها لا دلالة فيها على المدعي { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } المخبوء لهم في خزائن الفضل { عِندَ رَبّهِمْ } والفاء داخلة في حيز الموصول للدلالة على سببية ما قبلها ، وقيل : للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ ، ولذلك جوز الوقف على علانية { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تقدم تفسيره والإشارة في الآيات ظاهرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.