تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (275)

و بعد هذه الصورة المشرقة التي ساقها القرآن عن النفقة والمنفقين أتبعها بصورة مضاده لها وهي صورة الربا والمرابين ومن مظاهر التضاد والتباين بين الصورتين أن الصدقة بذل المال في وجوه الاستغلال لحاجة المحتاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة محرمة وان الصدقة نتيجتها الرخاء والطهارة للمال وشيوع روح المحبة والتعاون والتكافل والاطمئنان بين أفراد المجتمع أما الربا فنتيجة محق البركة من المال وشيوع روح التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس .

و لقد نفر القرآن الناس من تعاطي الربا تنفيرا شديدا وحذرهم من سوء عاقبته تحذيرا مؤكدا فقال تعالى :

{ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأوليك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .

275- { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس . . } استئناف قصد به الترهيب من تعاطي الربا بعد الترغيب في بذل الصدقة لمستحقيها .

و لم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد ، لأن الصدقة كما يقول الفخر الرازي عبارة عن تنقيص المال في الظاهر بسبب أمر الله في ذلك والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه فكانا متضادين .

و الأكل في الحقيقة ابتلاع الطعام ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص وهو المراد هنا وعبر عن التعامل بالربا بالأكل لأن معظم مكاسب الناس تنفق في الأكل .

و الربا في اللغة الزيادة المطلقة يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ونما ومنه قوله تعالى : { و ترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج 5 ) .

أي : زادت .

و هو في الشرع كما قال الألوسي عبارة عن فضل ما لا يقابله عوض في معارضة مال بمال .

و قوله : { يتخبطه } من التخبط بمعنى الخبط الضرب على غير استواء واتساق يقال خبطته أخبطه خبطا أي ضربته ضربا متواليا على أنحاء مختلفة ويقال : تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه ويقال للذي يتصرف في أمر لا يهتدي فيه يخبط خبط عشواء قال زهير بن أبي سلمى في معلقته :

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب *** تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

و المس : الخبل والجنون يقال : مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون .

و أصل المس اللمس باليد ثم استعير للجنون لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه .

و المعنى : { الذين يأكلون الربا } أي يتعاملون به أخذا وإعطاء { لا يقومون } يوم القيامة للقاء الله إلا كقيام المتخبط المصروع المجنون حال صرعه وجنونه وتخبط الشيطان له وذلك لأنه يقوم قياما منكرا مفزوعا بسبب أخذه الربا حرم الله أخذه .

فالآية الكريمة تصور المرابي بتلك الصورة المرعبة المفزعة التي تحمل كل عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا .

و هنا يحب أن نوضح أمرين : أما الأمر الأول فهو أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك . .

قال الألوسي : " وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد اخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه سلم : " إياك والذنوب التي لا تغفر . الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة . وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط " ( 65 ) . ثم قرأ الآية وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه ولعل الله تعالى جعل علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له . . . ثم قال : وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقول لمن يسرع بحركات مختلفة قد جن ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الابتعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات " ( 66 ) .

و الذي نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين في الدنيا والآخرة فهم في الدنيا في قلق مستمر وانزعاج دائم واضطراب ظاهر بسبب جشعهم وشرهم في جمع المال ووساوسهم التي لا تكاد تفارقهم وهم يفكرون في مصير أموالهم . . . ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم أشبه بالمجانين في أقوالهم وحركاتهم أما في الآخرة فقد توعدتهم الله تعالى بالعقاب الشديد والعذاب الأليم .

و قد رجح الإمام الرازي أن الآية الكريمة تصور حال المرابي في الدنيا والآخرة فقال ما ملخصه : " إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله ومن كان كذلك من أمر الدنيا متخبطا . . وآكل الربا بلا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك حجابا بينه وبين الله تعالى فالخبط الذي كان حاصلا له في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب وهذا التأويل أقرب عندي من غيره( 27 ) .

و أما الأمر الثاني فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضا أن التشبيه في الآية الكريمة على الحقيقة بمعنى أن الآية تشبه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون .

و لكن الزمخرشي ومن تابعه ينكرون ذلك ويرون ان كون الصرع أو الجنون من الشيطان باطل لأنه يقدر على ذلك فقد قال الزمخشري في تفسيره : وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع والمس الجنون ورجل ممسوس أي مجنون وهذا أيضا من زعماتهم وان الجني يمسه فيختلط عليه وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات " ( 68 ) .

و من العلماء الذين تصدوا للرد على الزمخشري ومن تابعه الإمام القرطبي فقد قال : " وفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وان الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والغرق والهدم والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا " ( 69 ) .

و قال الشيخ أحمد ابن المنير : " و معنى قول الزمخشري ان تخبط الشيطان من زعمات العرب أي من كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها كما يقال في الغول والعنقاء ونحو ذلك وهذا القول من تخبط الشيطان بالقدرية أي المعتزلة في زعاتهم المردودة بقواطع الشرع ثم قال واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه الأمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشرع عنها والقدرية ينكرون كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم من ذلك السحر وخبطة الشيطان ومعظم أحوال الجن وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع في خبط طويل لهم " ( 70 ) .

و الذي نراه أن ما عليه جمهور العلماء من التشبيه على الحقيقة هو الحق لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالجنون ولأنه لا يسوغ لنا أن نؤول بغير ظاهره بسبب اتجاه لا دليل عليه .

وقوله من المس متعلق بيقومون أي لا يقومون من المس الذي حل بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما يقوم المصروع من جنونه .

و قوله تعالى : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا } بيان لزعمهم الباطل الذي سوغ لهم التعامل بالربا ، ورد عليه بما يهدمه .

واسم الإشارة ذلك يعود إلى الأكل وإلى العقاب الذي نزل بهم والمعنى : ذلك الأكل استحلوه عن طريق الربا او ذلك العذاب الذي حل بهم والذي من مظاهره قيامهم قيام المتخبط سببه قولهم إن البيع الذي أحله يشابه الربا الذي نتعامل به في ان كلا منهما معاوضة .

قال صاحب الكشاف فإن قلت هلا قيل إنما الربا مثل البيع لان الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال أنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم انهم قالوا لو اشترى الرجل الشيء الذي لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز فكذلك إذ باع درهما بدرهمين ؟ قلت جيء به على طريق المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع " ( 71 ) .

و قوله : { وأحل الله البيع وحرم الربا } جملة مستأنفة وهي رد من الله تعالى عليهم وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع .

قال الألوسي : وحاصل هذا الرد من الله تعالى عليهم أن ما ذكرتم من أن الربا مثل البيع قياس فاسد الوضع لأنه معارضة للنص فهو من عمل الشيطان على ان يبين البابين فرقا وهو ان من باع ثوبا يساوي درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو مقابله شيء من الثوب وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض ولا يمكن جعل الإهمال عوضا إذ الإمهال ليس بمال في مقابلة المال " ( 72 ) .

و قوله : { فمن جاءته موعظة من ربه فانتهى له ما سلف وأمره إلى الله } .

تفريغ على الوعيد السابق في قوله : { الذين يأكلون الربا . . . }إلخ .

و المجيء بمعنى العلم والبلاغ والموعظة ما يعظ الله تعالى به عباده عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره .

أي : فمن بلغه نهي الله تعالى عن الربا فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه فله ما سلف أي فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم يقبضه لأن الله تعالى يقول بعد ذلك : { و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } .

و قوله : { و أمره إلى الله ؛ أي أمر هذا المرابي الذي تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده أمر مفوض إلى الله تعالى فهو الذي يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه .

قال ابن الكثير : وقوله : { فمن جاءه موعظة من ربه . . . } إلخ من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله تعالى : { عفا الله عما سلف } ( المائدة : 95 ) . وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " و كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاته وأول ربا أضع ربا عمي العباس " ( 74 ) .

و لم يأمر برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال تعالى : { فله ما سلف وأمره إلى الله } أي فله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم ( 47 ) .

و " من " في قوله : { من جاءه موعظة } شرطية وهو الظاهر ويحتمل أن تكون موصلة وعلى التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء وقوله فله ما سلف هو الجزاء او الخبر و " موعظة " فاعل جاء وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل ولكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهي في معنى المذكر .

و في قوله : " من ربه " تضخيم لشأن الموعظة والطاعة لأنها صادرة من الله تعالى المربي لعباده .

و في هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده لأنه سبحانه لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهي ولم يجعل تشريعه بأثر رجعي بل جعله للمستقبل إذ الإسلام يجب ما قبله فما أكله المرابي قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا .

و لقد توعد الله من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله تعالى فقال ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

أي ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن نهى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه .

و في هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها التعبير فيها بأولئك التي تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله والتعبير بالجملة الاسمية التي تفيد الدوام والاستمرار والتعبير بكلمة أصحاب الدالة والملازمة والمصاحبة وبكلمة خالدون التي تدل على طول المكث .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (275)

{ الذين يَأْكُلُونَ الربا } أي يأخذونه فيعم سائر أنواع الانتفاع والتعبير عنه بالأكل لأنه معظم ما قصد به ، والربا في الأصل الزيادة من قولهم : ربا الشيء يربو إذا زاد ، وفي الشرع عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال ، وإنما يكتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة من يفخم ، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع فصار اللفظ به على طبق المعنى في كون كل منهما مشتملاً على زيادة غير مستحقة فأخذ لفظ الربا الحرف الزائد وهو الألف بسبب اللفظ الذي يشابهه وهو واو الجمع حيث زيدت فيه الألف كما يأخذ معنى لفظ الربا بمشابهته معنى لفظ البيع لاشتمال المعنيين على معاوضة المال بالمال بالرضا وإن كان أحد العوضين أزيد وقيل : الكتابة بالواو والألف لأن للفظ نصيباً منهما ، وإنما لم تكتب الصلاة والزكاة بهما لئلا يكون في مظنة الالتباس بالجمع ، وقال الفراء : إنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط لغتهم ربوا بواو ساكنة فكتب كذلك وهذا مذهب البصريين ، وأجاز الكوفيون كتابته وكذا تثنيته بالياء لأجل الكسرة التي في أوله ، قال أبو البقاء : وهو خطأ عندنا

{ لاَ يَقُومُونَ } أي يوم القيامة وبه قرئ كما في «الدر المنثور » .

/ { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } أي إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع في الدنيا والتخبط تفعل بمعنى فعل وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ، ثم تجوز به عن كل ضرب غير محمود ، وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد أخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياك الذنوب التي لا تغفر ، الغلول فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة ، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط " ثم قرأ الآية ، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه ، ولعل الله تعالى جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له كما جعل لبعض المطيعين أمارة تليق به يعرف بها كرامة له ، ويشهد لذلك أن هذه الأمة يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء وإلى هذا ذهب ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة واختاره الزجاج وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة : قد جن ، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات .

{ مِنَ المس } أي الجنون يقال : مس الرجل فهو مسوس إذا جن وأصله اللمس باليد ، وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون ، وهذا لا ينافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة مرة السوداء لأن ما ذكروه سبب قريب ، وما تشير إليه الآية سبب بعيد وليس بمطرد أيضاً بل ولا منعكس فقد يحصل مس ولا يحصل جنون كما إذا كان المزاج قوياً وقد يحصل جنون ولم يحصل مس كما إذا فسد المزاج من دون عروض أجنبي ، والجنون الحاصل بالمس قد يقع أحياناً ، وله عند أهل الحاذقين أمارات يعرفونه بها ، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضاً على أتم وجه وربما استولى ذلك البخار على الحواس وعطلها ، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذي قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك أصلاً ، وهذا كالمشاهد المحسوس الذي يكاد يعد منكره مكابراً منكراً للمشاهدات .

وقال المعتزلة والقفال من الشافعية : إن كون الصرع والجنون من الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك كما قال تعالى حكاية عنه : { وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مّن سلطان } [ إبراهيم : 22 ] الآية و{ مَا } هنا وارد على ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله وليس لذلك حقيقة وليس بشيء بل هو من تخبط الشيطان بقائله ومن زعماته المردودة بقواطع الشرع ، فقد ورد " ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخاً " وفي بعض الطرق : «إلا طعن الشيطان في خاصرته » ومن ذلك يستهل صارخاً إلا مريم وابنها لقول أمها : { وِإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم } [ آل عمران : 63 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين " وقد ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة والسلام أنه حدث من شأنه معهم قال : " فجاءني طائر كأنه جمل قبعثري فاحتملني على خافية من خوافيه " إلى غير ذلك من الآثار ، وفي «لقط المرجان في أحكام الجان » كثير منها ، واعتقاد السلف وأهل السنة أن ما دلت عليه أمور حقيقية واقعة كما أخبر الشرع عنها والتزام تأويلها كلها يستلزم خبطاً طويلاً لا يميل إليه إلا المعتزلة ومن حذا حذوهم وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ، والآية التي ذكروها في معرض الاستدلال على مدعاهم لا تدل عليه إذ السلطان المنفي فيها إنما/ هو القهر والإلجاء إلى متابعته لا التعرض للإيذاء والتصدي لما يحصل بسببه الهلاك ، ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعاً بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل وقوعه بالفعل ، وخبر «الطاعون من وخز أعدائكم الجن » صريح في ذلك ، وقد حمله بعض مشايخنا المتأخرين على نحو ما حملنا عليه مسألة التخبط والمس حيث قال : إن الهواء إذا تعفن تعفناً مخصوصاً مستعداً للخلط والتكوين تنفرز منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن فإنها على ما عرف في الكلام أجسام حية لا ترى إما الغالب عليها الهوائية أو النارية ولها أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون فإذا نزل واحد منها طبعاً ، أو إرادة على شخص أو نفذ في منافذه ، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشر من القوة السمية وما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات ألم شديد مهلك غالباً مظهر للدماميل والبثرات في الأكثر بسبب إفساده للمزاج المستعد ، وبهذا يحصل الجمع بين الأقوال في هذا الباب وهو تحقيق حسن لم نجده لغيره كما لم نجد ما حققناه في شأن المس لأحد سوانا فليحفظ .

والجار والمجرور متعلق بما قبله من الفعل المنفي بناءاً على أن ما قبل ( إلا ) يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفاً كما في «الدر المصون » أي لا يقومون من جهة المس الذي بهم بسبب أكلهم الربا أو بيقوم أو بيتخبطه .

{ ذلك } إشارة إلى الأكل أو إلى ما نزل بهم من العذاب { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } أرادوا نظمهما في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فحيث حل بيع ما قيمته درهم بدرهمين حل بيع درهم بدرهمين إلا أنهم جعلوا الربا أصلاً في الحل وشبهوا البيع به روماً للمبالغة كما في قوله :

ومهمه مغبرة أرجاؤه *** كأن ( لون أرضه سماؤه )

وقيل : يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناءاً على ما فهموه أن البيع إنما حل لأجل الكسب والفائدة وذلك في الربا متحقق وفي غيره موهوم { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } جملة مستأنفة من الله تعالى ردّاً عليهم وإنكاراً لتسويتهم ، وحاصله أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان على أن بين البابين فرقاً ، وهو أن من باع ثوباً يساوي درهماً بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلاً لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب ، وأما إذا باع درهماً بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً إذ الإمهال ليس بمال حتى يكون في مقابلة المال ، وقيل : الفرق بينهما أن أحد الدرهمين في الثاني ضائع حتماً وفي الأول منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها ، وجوز أن تكون الجملة من تتمة كلام الكفار إنكاراً للشريعة ورداً لها أي مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله تعالى فهي حينئذ حالية ، وفيها قد مقدرة ولا يخفى أنه من البعد بمكان ، والظاهر عموم البيع والربا في كل بيع وفي كل ربا إلا ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الربا ، وقيل : هما مجملان فلا يقدم على تحليل بيع ولا تحريم ربا إلا ببيان ، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : من آخر ما أنزل آية الربا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة .

{ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا واستحلاله ، و( من ) / شرطية أو موصولة ، و{ مَّوْعِظَةٌ } فاعل جاء وسقطت التاء للفصل وكون التأنيث مجازياً مع ما في الموعظة معنى من التذكير ، وقرأ أبيّ والحسن ( جاءته ) بإلحاق التاء { مّن رَّبّهِ } متعلق بجاءه أو بمحذوف وقع صفة لموعظة وعلى التقديرين فيه تعظيم لشأنها وفي ذكر الرب تأنيس لقبول الموعظة إذ فيه إشعار بإصلاح عبده و( من ) لابتداء الغاية أو للتبعيض وحذف المضاف { فانتهى } عطف على جاءه أي فاتعظ بلا تراخ وتبع النهي { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي ما تقدم أخذه قبل التحريم لا يسترد منه ، وهذا هو المروي عن الباقر ، وسعيد بن جبير ، وقيل : المراد لا مؤاخذة عليه في الدنيا ولا في الآخرة فيما تقدم له أخذه من الربا قبل ، والفاء إما للجواب أو صلة في الخبر ، و{ مَا } في موضع الرفع بالظرف إن جعلت ( من ) موصولة ، وبالإبتداء إن جعلت شرطية على رأي من يشترط الاعتماد ، وكون المرفوع اسم حدث ، ومن لا يشترطهما يجوز كونه فاعل الظرف { وَأَمْرُهُ } أي المنتهى بعد التحريم { إِلَى الله } إن شاء عصمه من الربا فلم يفعل وإن شاء لم يفعل ، وقيل : المراد إنه يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية أو يحكم في شأنه يوم القيامة بما شاء لا اعتراض لكم عليه .

ومن الناس من جعل الضمير المجرور لما سلف أو للربا وكلاهما خلاف الظاهر .

{ وَمَنْ عَادَ } أي رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى من عاد والجمع باعتبار المعنى { أصحاب النار } أي ملازموها { هُمْ فِيهَا خالدون } أي ماكثون أبداً لكفرهم ، والجملة مقررة لما قبلها ؛ وجعل الزمخشري متعلق عاد الربا فاستدل بالآية على تخليد مرتكب الكبيرة وعلى ما ذكرنا وهو التفسير المأثور لا يبقى للاستدلال بها مساغ ، واعترض بأن الخلود لو جعل جزاءاً للاستحلال بقي جزاء مرتكب الفعل من غير استحلال غير مذكور في الكلام أصلاً لا عبارة ولا إشارة مع أنه المقصود الأهم بخلاف ما لو جعل ذلك جزاء أصل الفعل فإن المقصود يكون مذكوراً صريحاً مع إفادته جزاء الاستحلال وأنه أمر فوق الخلود ، وأجيب بأن ما يكفر مستحله لا يكون إلا من كبائر المحرمات وجزاؤها معلوم ولذا لم ينبه عليه لظهوره ، وقال بعض المحققين في الجواب : إن جعل ذلك إشارة إلى الأكل كان الجزاء القيام المذكور من القبور إلى الموقف وكفى به نكالاً ، ثم أخبر أن حاملهم على الأكل كان هذا القول فأشعر الوصف أولاً أن الوعيد به ثم ذكر موجب اجترائهم فدل على أنه وعيد آكل سواء كان حامله عليه ذلك القول أو لا .

وأما قوله سبحانه : { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى } وقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ } فهو في القائل المعتقد وإن جعل إشارة إلى القيام المذكور فالجزاء ما يفهم من ضم الفعل إلى القول فإنه لو لم يكن له مدخل في التعذيب لم يحسن في معرض الوعيد ، والقول بأن المتعلق الربا والآية محمولة على التغليظ خلاف الظاهر فتدبر .