تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا} (58)

55

المفردات :

وسبح بحمده : نزهه وصفه بصفات الكمال .

كفى : يقال : كفى بالعلم جمالا ، أي : حسبك ، فلا تحتاج معه إلى غيره .

خبيرا : الخبير بالشيء : العليم بظاهره وباطنه ، وبكل ما يتصل به .

58- { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا } .

أي : اعتمد على الله الحي الدائم الحياة ، الباقي الذي لا يدركه فناء ولا موت ، استوثق بحبله واعتمد عليه ، والتوكل هو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب ، وهذا التوكل نعم العون للعبد على بلوغ هدفه .

قال تعالى : { وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } [ إبراهيم : 12 ] .

قال ابن كثير :

كن متوكلا على الله الحي الذي لا يموت أبدا ، الدائم الباقي السرمدي ، الأبدي الحي القيوم ، رب كل شيء ومليكه ، اجعله ذخرك وملجأ ، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ، كما قال تعالى : { والله يعصمك من الناس . . . } [ المائدة : 67 ] .

{ وسبح بحمده . . }

أي : اقرن بين حمده وتسبيحه ، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك )23 أي : أخلص له العبادة والتوكل . اه .

وفي معنى الآية قوله تعالى : { إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } [ النصر : 1-3 ]

وقوله سبحانه : { فاعبده وتوكل عليه . . } [ هود : 123 ]

وقوله تعالى : { قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا . . } [ الملك : 29 ] .

ومعنى وسبح بحمده : نزّه الله تعالى ، عما يصفه به هؤلاء الكفار ، من الشركاء والأولاد فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفؤا أحد .

{ وكفى به بذنوب عباده خبيرا }

أي : حسبك أن الله مطلع على أعمال العباد ، وهو عليهم رقيب وشهيد ، وسوف يجازيهم على أعمالهم ، فهو خبير بأحوالهم ، لا يحتاج إلى غيره ، وهو قادر على مجازاة المذنبين ، وفي هذا وعيد شديد وتهديد لكل مذنب بأن الله يراه ، ويعلم أعماله ، وسيجازيه عليها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا} (58)

{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ } في الإغناء عن أجورهم والاستكفاء عن شرورهم ، وكأن العدول عن وتوكل على الله إلى ما في النظم الجليل ليفيد بفحواه أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء ، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف فالمتوكل عليه أشبه شيء بضعيف عاد بقرملة ، وقيل : لأنه إذا مات ضاع من توكل عليه .

وأخرج ابن أبي الدنيا في التوكل . والبيهقي في «شعب الإيمان » عن عقبة بن أبي ثبيت قال : مكتوب في التوراة لا توكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام ، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت . وقرأ بعض السلف هذه الآية فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق { وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ } أي ونزهه سبحانه ملتبساً بالثناء عليه تعالى بصفات الكمال طالباً لمزيد الانعام بالشكر على سوابقه عز وجل فالباء للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال ، وقدم التنزيه لأنه تخلية وهي أهم من التحلية ، وفي الحديث : " من قال سبحان الله وبحمد غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر " { وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ } ما ظهر منها وما بطن كما يؤذن به الجمع المضاف فإنه من صيغ العموم أو قوله تعالى : { خَبِيراً } لأن الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن علم البواطن علم الظواهر بالطريق الأولى فيدل على ذلك مطابقة والتزاماً .

والظاهر أن { بِذُنُوبِ } متعلق بخبيراً وهو حال أو تمييز . وباء { بِهِ } زائدة في فاعل { كفى } ، وجوز أن يكون { بِذُنُوبِ } صلة كفى ، والجملة مسوقة لتسليته صلى الله عليه وسلم ووعيد الكفار أي أنه عز وجل مطلع على ذنوب عباده بحيث لا يخفى عليه شيء منها فيجازيهم عليها ولا عليك إن آمنوا أو كفروا .