تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا} (63)

{ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما( 63 ) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما( 64 ) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما( 65 ) إنها ساءت مستقرا ومقاما( 66 ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ( 67 ) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما( 68 ) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ( 69 ) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما( 70 ) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا( 71 ) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ( 72 ) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا( 73 ) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ( 74 ) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ( 75 ) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما( 76 ) قل ما يعبأوا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما( 77 ) } .

المفردات :

الهون : الرفق واللين ، والمراد : أنهم يمشون في سكينة ووقار ، ولا يضربون بأقدامهم أشرا وبطرا .

الجاهلون : السفهاء .

سلاما : سلام توديع ومتاركة ، لا سلام تحية ، كقول إبراهيم لأبيه ، { سلام عليك . . } [ مريم : 47 ]

63

التفسير :

63 –{ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما }

تتصدر هذه الآية صفات عباد الرحمان ، وقد ذكر فخر الدين الرازي أنها تسع صفات في هذه الآيات .

وقال القرطبي :

وصف تعالى عباد الرحمان بإحدى عشرة صفة حميدة ، من التحلّي والتخلّي ، وهي : التواضع والحلم ، والتهجد والخوف ، وترك الإسراف والإقتار ، والنزاهة عن الشرك ، والبعد عن القتل والزنا ، والتوبة وتجنب الكذب ، والعفو عن المسي ، وقبول المواعظ ، والابتهال إلى الله ، ثم بيّن جزاءهم الكريم وهو نيل الغرفة التي هي الدرجة الرفيعة ، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها ، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا .

ومعنى الآية الكريمة :

{ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا . . }

أي : هم يسيرون فوق الأرض سيرا هينا في رفق وتؤدة ، وفي غير تجبر أو تكبر ، كما قال تعالى : { واقصد في مشيك واغضض من صوتك . . [ لقمان : 19 ] .

وقال تعالى : { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } [ الإسراء : 37 ] .

إن الإيمان إذا استقر في القلب ، نتج عنه سلوك حسن ، وهيئة صالحة تذكر الناس بالله تعالى في وقارهم وسكينتهم ، وليس المراد هنا آن يمشي المؤمن ذليلا متمسكنا ضعيفا متمارضا ، فالقرآن حث على العزة والكرامة ، قال تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم . . } [ الإسراء : 70 ] .

وقال تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين . . } [ المنافقون : 8 ]

وروى عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا ، فقال : مالك ، أأنت مريض ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، فعلاه بالدرة ، وأمره أن يمشي بقوة .

إن مشية المسلم فيها السكينة والوقار ، وهي بعيدة عن الذلة والمسكنة ، وبعيدة أيضا عن التكبر والتبختر .

وفي الصحيح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم منها فصلّوا ، وما فاتكم فأتموا )26 .

فالسير إلى الصلاة ينبغي أن يكون سيرا عاديا ، يلتزم صاحبه الوقار والهدوء ، ولا يركض ولا يسرع إسراعا قريبا من الجري .

ولا يجوز أن يتطاول الإنسان متبخترا متكبرا ، فقد روى أن عمر -رضي الله عنه- رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال : إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله ، وقد مدح الله أقواما فقال : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا . . } فاقصد في مشيتك ، وعموما المراد هنا : السير الوسط المعتدل ، مع تجنب التبختر والتكبر ، وتجنب المسكنة والضعف .

وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى أسرع في مشيته ، كأنما يتحدر من مكان مرتفع ، وكأنما الأرض تطوى له ، وكان عمر إذا مشى أسرع في مشيته ، فتلك سمة المؤمن ، فالمؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف .

{ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما }

إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ ، لم يقابلوهم بمثله ، بل يعفون ويصفحون ، ولا يقولون إلا خيرا ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما .

كما قال تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه . . } [ القصص : 55 ]

ومعنى : قالوا سلاما . قالوا : سدادا أو ردّوا معروفا ، وهو سلام للمتاركة والمفارقة ، كما قال إبراهيم لأبيه : { سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا } [ مريم : 47 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا} (63)

{ وَعِبَادُ الرحمن } كلام مستأنف لبيان أوصاف خاص عباد الله تعالى وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال النافرين عن عبادته سبحانه والسجود له عز وجل وإضافتهم إلى الرحمن دوي غيره من أسمائه تعالى وضمائره عز وجل لتخصيصهم برحمته أو لتفضيلهم على من عداهم لكونهم مرحومين منعماً عليهم كما يفهم من فحوى الإضافة إلى مشتق . وفي ذلك أيضاً تعريض بمن قالوا : { وما الرحمن } [ الفرقان : 60 ] والأكثرون أن عباداً هنا جمع عبد ، وقال ابن بحر : جمع عابد كصاحب وصحاب وراجل ورجال ويوافقه قراءة اليماني { عِبَادِ } بضم العين وتشديد الباء فإنه جمع عابد بالإجماع وهو على هذا من العبادة وهي أن يفعل ما يرضاه الرب وعلى الأول من العبودية وهي أن يرضى ما يفعله الرب ، وقال الراغب : العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل . وفرق بعضهم بينهما بأن العبادة فعل المأمورات وترك المنهيات رجاء الثواب والنجاة من العقاب بذلك والعبودية فعل المأمورات وترك المنهيات لا لما ذكر بل لمجرد إِحسان الله تعالى عليه . قيل : وفوق ذلك العبودة وهو فعل وترك ما ذكر لمجرد أمره سبحانه ونهيه عز وجل واستحقاقه سبحانه الذاتي لأن يعظم ويطاع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فَصَلّ لِرَبّكَ } [ الكوثر : 2 ] وقرأ الحسن { وَعَبَدَ } بضم العين والباء . وهو كما قال الأخفش جمع عبد كسقف وسقف . وأنشد :

أنسب العبد إلى آبائه *** اسود الجلدة من قوم عبد

وهو على كل حال مبتدأ وفي خبره قولان . الأول أنه ما في آخر السورة الكريمة من الجملة المصدرة باسم الإشارة ، والثاني وهو الأقرب أنه قوله تعالى : { الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً } والهون مصدر بمعنى اللين والرفق . ونصبه إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي مشيا هونا أو على أنه حال من ضمير { يَمْشُونَ } والمراد يمشون هينين في تؤدة وسكينة ووقار وحسن سمت لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ، وروي نحو هذا عن ابن عباس . ومجاهد . وعكرمة . والفصيل بن عياض . وغيرهم ، وعن الإمام أبني عبد الله رضي الله تعالى عنه أن الهون مشى الرجل بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر .

شوأخرج الآمدي في «شرح ديوان الأعشى » بسنده عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال له : إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله تعالى . وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً } فاقصد في مشيتك . وقيل : المشي الهون مقابل السريع وهو مذموم . فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة . وابن النجار عن ابن عباس قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن »

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران إن { هَوْناً } بمعنى حلماء بالسريانية فيكون حالاً لا غير . والظاهر أنه عربي بمعنى اللين والرفق . وفسره الراغب بتذلل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة وهو الممدوح . ومنه الحديث «المؤمن هين لين » والظاهر بقاء المشي على حقيقته وأن المراد مدحهم بالسكينة والوقار فيه من غير تعميم . نعم يلزم من كونهم يمشون كذلك أنهم هينون لينون في سائر أمورهم بحكم العادة على ما قيل .

واختار ابن عطية أن المراد مدحهم بعدم الخشونة والفظاظة في سائر أمورهم وتصرفاتهم . والمراد أنهم يعيشون بين الناس هينين في كل أمورهم . وذكر المشي لما أنه انتقال في الأرض وهو يستدعي معاشرة الناس ومخالطتهم واللين مطلوب فيها غاية الطلب . قم قال : وأما أن يكون المراد مدحهم بالمشي وحده هوناً فباطل فكم ماش هوناً رويداً وهو ذنب أطلس . وقد كان صلى الله عليه وسلم يتكفا في مشيه كإنما يمشي في صبب وهو عليه الصلاة والسلام الصدر في هذه الآية . وفيه بحث من وجهين فلا تغفل . وقرأ اليماني . والسلمي { يَمْشُونَ } مبنياً للمفعول مشدداً { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون } أي السفهاء وقليلو الأدب كما في قوله :

ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

{ قَالُواْ سَلاَماً } بيان لحالهم في المعاملة مع غيرهم إثر بيان حالهم في أنفسهم أو بيان لحسن معاملتهم . وتحقيق للينهم عند تحقق ما يقتضي خلاف ذلك إذا خلى الإنسان وطبعه أي إذا خاطبوهم بالسوء قالوا تسلماً منكم ومتاركة لا خير بيننا وبينكم ولا شر . فسلاماً مصدر أقيم مقام التسليم وهو مصدر مؤكد لفعله المضمر . والتقدير نتسلم تسلماً منكم . والجملة مقول القول . وإلى هذا ذهب سيبويه في اكلتاب ومنع أن يراد السلام المعروف بأن الآية مكية والسلام في النساء وهي مدنية ولم يؤمر المسلمون بمكة أن يسلموا على المشركين .

وقال الأصم : هو سلام توديع لا تحية كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه { سلام عَلَيْكَ } [ مريم : 47 ] ولا يخفى أنه راجع إلى المتاركة وهو كثير في كلام العرب . وقال مجاهد : المراد قالوا قولاً سديداً .

وتعقب بأن هذا تفسير غير سديد لأن المراد ههنا يقولون هذه اللفظة لا أنه يقولون قولاً ذا سداد بدليل قوله تعالى : { سلام عَلَيْكُمُ لا نبتغي الجاهلين } [ القصص : 55 ] . ورده صاحب الكشف بأن تلك الآية لا تخالف هذا التفسير فإن قولهم . سلام عليكم من سداد القول أيضاً كيف والظاهر أن خصوص اللفظ غير مقصود بل هو أو ما يؤدي مؤداه أيضاً من كل قول يدل على المتاركة مع الخلو عن الإثم واللغو وهو حسن لا غبار عليه .

وفي بعض التواريخ كما في البحر أن إبراهيم بن المهدي كان منحرفاً عن علي كرم الله تعالى وجهه فرآه في النوم قد تقدم إلى عبور قنطرة فقال له : إنما تدعى هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك فحكى ذلك على المأمون ثم قال : ما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه فقال له المأمون : فما أجابك به قال : كان يقول لي : سلاماً سلاماً فقال المأمون : يا عم قد أجابك بابلغ جواب ونبهه على هذه الآية فخزي إبراهيم واستحي عليه من الله تعالى ما يستحق ، والظاهر أن المراد مدحهم بالأغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام ولا تعرض في الآية لمعاملتهم مع الكفرة فلا تنافي آية القتال ليدعي نسخها بها لأنها مكية وتلك مدنية . ونقل عن أبي العالية واختاره ابن عطية أنها نسخت بالنظر إلى الكفرة بآية القتال .

[ بم وقوله تعالى :

ومن باب الإشارة : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً } بغير فخر ولا خيلاء لما شاهدوا من كبرياء الله تعالى وجلاله جل شأنه .

وذكر بعضهم أن هؤلاء العباد يعاملون الأرض معاملة الحيوان لا الجماد ولذا يمشون عليها هوناً { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون } وهم أبناء الدنيا { قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] أي سلامة من الله تعالى من شركم أو إذا خاطبهم كل ما سوى الله تعالى من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم وتعرض لهم ليشغلهم هما هم فيه { قَالُواْ سَلاَماً } سلام متاركة وتوديع