23 – { وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ . . . }
أي : ولو علم الله فيهم استعدادا للإيمان والهداية بنور النبوة ، ولم يفسد قبس الفطرة سوء القدرة وفساد التربية ؛ لأسمعهم بتوفيقه الكتاب والحكمة سماع تدبر وتفهم ، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم ممن ختم الله على قلوبهم وأحاطت بهم خطاياهم .
{ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } .
أي : ولو أسمعهم – وقد علم أنه لا خير فيهم – لتولوا عن القبول والإذعان وهم معرضون من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به ؛ كراهة وعنادا للداعي إليه ولأهله ، فقد فقدوا الاستعداد لقبول الحق والخير فقدا تاما لا فقدا عارضا موقوتا .
والخلاصة : أن للسماع درجات باعتبار ما يطالب الله به من الاهتداء بكتابه :
1 – أن يعتمد من يتلى عليه ألا يسمعه مبارزة له بالعدوان بادئ ذي بدء خوفا من سلطانه على القلوب أن يغلبهم .
2 – أن يستمع وهو لا ينوي أن يفهم ويتدبر كالمنافقين الذين قال الله فيهم :
{ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا } .
3 – أن يستمع لأجل التماس شبهة للطعن والاعتراض ، كما كان يفعل المعاندون من المشركون وأهل الكتاب وقت التنزيل وفي كل حين إذا استمعوا إلى القرآن أو نظروا فيه .
4 – أن يسمع ليفهم ويتدبر ثم يحكم له أو عليه ، وهذا هو المنصف ، وكم من السامعين أو القارئين آمن بعد أن نظر وتأمل ، فقد نظر طبيب فرنسي في ترجمة القرآن فرأى أن كل النظريات الطبية التي فيه كالطهارة والاعتدال في المآكل والمشارب وعدم الإسراف فيهما ونحو ذلك من المسائل التي فيها محافظة على الصحة ، توافق أحداث النظريات التي استقر عليها رأى الأطباء في هذا العصر ، فرغب في هذا كله وأسلم ، ورأى ربان بارجة انكليزية ترجمة للقرآن واستقصى كل ما فيها من الكلام عن البحار والرياح فظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من كبار الملاحين في البحار ، وبعد أن سأل عن ذلك وعرف أنه لم يركب البحر قط ، وهو مع ذلك أمي لم يقرأ كتابا ولا تلقي عن أحد درسا قال : الآن علمت أنه كان يوحى من الله ؛ لأن حقائق لا يعلمها إلا من اختبر البحار بنفسه ، أو تلقاها عن غيره من المختبرين ، ثم أسلم وتعلم العربية .
وكثير من المسلمين يستمعون القراء ويتلون القرآن فلا يشعرون بأنهم في حاجة إلى فهمه وتدبر معناه ، بل يستمعونه للتلذذ بتجويده وتوقيع التلاوة على قواعد النغم ، أو يقصدون بسماعه التبرك فقط ، ومنهم من يحضر الحفاظ عنده في ليالي رمضان ، ويجلسهم في حجرة البوابين أو غيرهم من الخدم تشبها بالأكابر والوجهاء .
ولما كان ذلك ربما دعا السامع إلى أن يقول : ما للقادر لم{[34752]} يقبل بمن هذا شأنه إلى الخير ؟ أجاب بأنه جبلهم من أول الأمر - وله أن يفعل في مِلكه ومُلكه ما يريد - جبلة عريقة في الفساد ، وجعل{[34753]} جواهرهم شريرة كجوهر العقرب{[34754]} التي لا تقبل{[34755]} التأديب بوجه ولا تمر بشيء إلا لسبته ، فعلم سبحانه أنه لا خير فيهم فتركهم على ما علم منهم { ولو علم الله } أي الذي له الكمال كله { فيهم خيراً } أي قبولاً للخير { لأسمعهم } أي إسماعاً هو الإسماع ، وهو ما تعقبه الإجابة المستمرة .
و{[34756]} لما كان علم الله تعالى محيطاً ، وجب أن يعلم كل ما كان حاصلاً ، فكان عدم{[34757]} علمه بوجود الشيء من لوازم عدمه ، فلا جرم كان التقدير هنا : و{[34758]} لكنه لم يعلم فيهم خيراً ، بل علم أنه{[34759]} لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع { ولو أسمعهم } وهم على هذه الحالة من عدم القابلية للخير إسماعاً قسرهم{[34760]} فيه على الإجابة { لتولوا } أي بعد إجابتهم { وهم معرضون* } أي ثابت إعراضهم{[34761]} مرتدين على أعقابهم ، ولم يستمروا على إجابتهم لما جبلوا عليه من ملاءمة الشر ومباعدة الخير ، فلم يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهناً ، وكما كان لأهل الردة الذين قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام خوفاً من السيف ورغبة في المال{[34762]} وهو من وادي{ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه }{[34763]}[ الأنعام : 28 ] فإن{[34764]} علم الله تعالى أربعة أقسام : جملة الموجودات ، وجملة المعدومات ، وأن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً كيف يكون حاله ، وأن كل واحد من المعدومات{[34765]} لو كان موجوداً كيف{[34766]} يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والآخران علم بالقدر ، والآية من القسم الأخير ، ولعمري إنا دفعنا إلى زمان أغلب من فيه على قريب من هذا الأمر ، أجرأ الناس على الباطل ، وأثبتهم في المصاولة فيه ، وأوسعهم حبلاً في التوصيل إليه ، وأجبنهم عند الدعوة إلى الحق ، وأسرعهم نكوصاً عند الإقدام بعد جهد عليه ، وألكنهم عند الجدال له ، فصار{[34767]} ما كان مقدراً مفروضاً حاصلاً{[34768]} وموجوداً ، وكلمة { لو } هنا يحتمل أن تكون{[34769]} هي التي يعلق{[34770]} بها أمر على آخر هو بضده أولى فيكون المراد أن المعلق .
وهو الثاني - موجود دائماً مثل قول عمر رضي الله عنه : نعم العبد صهيب رضي الله عنه ! لو لم يخف الله لم يعصه{[34771]} ، فالمراد هنا على هذا أنهم إذا كانوا يتولون مع الإسماع والإجابة ، فتوليهم مع عدمهما أولى - نبه على ذلك الرازي{[34772]} ، ويحتمل أن تكون{[34773]} على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان ، وانتفاء التولي إنما يكون خيراً إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير فيهم ، وأما عدمه لعدم إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس{[34774]} من الخير في شيء بل هو شر محض ، التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم ، بل هو الناشىء عن الإسماع{[34775]} الموصوف فلا يناقض ادعاؤه تحقق عنادهم وعدم انقيادهم ، وتحقيقه أن المنفي إنما هو زيادة التولي الناشئة عن الإسماع ، فالمعنى : ولو أسمعهم لزادوا إعراضاً ، فالمنفي في هذا السياق تلك الزيادة - والله الموفق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.