تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (6)

{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ 6 وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ 7 } .

المفردات :

وما من دابة في الأرض : يعني : كل ما دب على الأرض ، والناس منهم .

ويعلم مستقرها : الموضع الذي تستقر فيه وتأوي إليه .

ومستودعها : حيث يودعها بموت أو دفن .

كل في كتاب مبين : عند الله عز وجل مكتوب مثبت .

التفسير :

6 { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .

تصور الآية علم الله الشامل المحيط بكل ما يدب على الأرض ، من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير ، وهو سبحانه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها ، وما من دابة من هذه الدواب إلا وعند الله علمها ، وعلى الله رزقها ، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن ، ومن أين تجيء وأين تذهب ، وكل فرد من أفرادها في هذا العلم الدقيق .

إنها صورة متصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات ، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله فلا يطيق ، فسبحان من أحاط بكل شيء علما !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ} (6)

قوله تعالى : " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " " ما " نفي و " من " زائدة و " دابة " في موضع رفع ، التقدير : وما دابة . " إلا على الله رزقها " " على " بمعنى " من " ، أي من الله رزقها ، يدل عليه قول مجاهد : كل ما جاءها من رزق فمن الله . وقيل : " على الله " أي فضلا لا وجوبا . وقيل : وعدا منه حقا . وقد تقدم بيان هذا المعنى في " النساء{[8601]} " وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء . " رزقها " رفع بالابتداء ، وعند الكوفيين بالصفة ، وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوصي ؛ لأن كثيرا من الدواب هلك قبل أن يرزق . وقيل : هي عامة في كل{[8602]} دابة : وكل دابة لم ترزق رزقا تعيش به فقد رزقت روحها ، ووجه النظم به قبل : أنه سبحانه أخبر برزق الجميع ، وأنه لا يغفل عن تربيته ، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم ؟ ! والدابة كل حيوان يدب . والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي ، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده . ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك ؛ لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها ، وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال : إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل . وقال تعالى : " وفي السماء رزقكم{[8603]} " [ الذاريات : 22 ] وليس لنا في السماء ملك ، ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره ، وذلك محال ؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه . وقد تقدم في " البقرة{[8604]} " هذا المعنى والحمد لله . وقيل لبعضهم : من أين تأكل ؟ وقال : الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين ، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق . وقيل لأبي أسيد : من أين تأكل ؟ فقال : سبحانه الله والله أكبر ! إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد ! . وقيل لحاتم الأصم : من أين تأكل ؟ فقال : من عند الله ، فقيل له : الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء ؟ فقال : كأن ماله إلا السماء ! يا هذا الأرض له والسماء له ، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض ، وأنشد :

وكيف أخاف الفقر والله رازقي *** ورازق هذا الخلق في العسر واليسر

تكفل بالأرزاق للخلق كلهم *** وللضبِّ في البيداء والحوت في البحر

وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " بإسناده عن زيد بن أسلم : أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم ، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أرملوا{[8605]} من الزاد ، فأرسلوا رجلا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين " فقال الرجل : ما الأشعريون بأهون الدواب على الله ، فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لأصحابه : أبشروا أتاكم الغوث ، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينها مملوءة خبزا ولحما فأكلوا منها ما شاؤوا ، ثم قال بعضهم لبعض : لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته ، فقالوا للرجلين : اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا ، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ما رأينا طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به ، قال : ( ما أرسلت إليكم طعاما ) فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع ، وما قال لهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك شيء رزقكموه الله ) .

قوله تعالى : " ويعلم مستقرها " أي من الأرض حيث تأوي إليه . " ومستودعها " أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن ، قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقال الربيع بن أنس : " مستقرها " أيام حياتها . " ومستودعها " حيث تموت وحيث تبعث . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : " مستقرها " في الرحم " ومستودعها " في الصلب . وقيل : " يعلم مستقرها " في الجنة أو النار . " ومستودعها " في القبر ، يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار : " حسنت مستقرا ومقاما " [ الفرقان : 76 ] " ساءت مستقرا ومقاما{[8606]} " [ الفرقان : 66 ] . " كل في كتاب مبين " أي في اللوح المحفوظ .


[8601]:راجع ج 5 ص 273.
[8602]:من ع
[8603]:راجع ج 17 ص 41.
[8604]:راجع ج 1 ص 177 فما بعد.
[8605]:أرملوا من الزاد: أي نفد زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل للفقير الترب.
[8606]:راجع ج 13 ص 72 و ص 82