بالسيئة : الإشراك بالله ، أو المعاصي .
كُبت : ألقيت وجوههم في النار منكوسة ، أو هي كناية عن الأنفس ، وكبّها : إلقاؤها .
90- { ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون }
المراد بالسيئة هنا : الشرك أو الكفر ، ويمكن أن يراد بها : المعاصي والسيئات والذنوب .
ومن جاء بالكفر أو الشرك ؛ فإنه يلقى في النار على وجهه منكوسا ، لأن الوجه أغلى شيء في الإنسان . فإذا ألقى الوجه في النار ، كان دليلا على إصابة العذاب للجسم كله .
قال تعالى : { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة . . } [ الزمر : 24 ] .
كما تشمل الآيات مرتكب السيئات من الفسوق والعصيان والذنوب ، كالزنا والسرقة والقتل ، وترك الفرائض وإهمال الواجبات ، هؤلاء جميعا يلقون في النار ويعذبون فيها ، ويقال لهم على سبيل التبكيت والإهانة : { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } ، أي : إن الجزاء هنا من جنس أعمالكم في الدنيا : فأنتم تعذبون عقوبة على أعمالكم السيئة ، والمكث في النار يختلف من شخص لآخر ، فالكفار والمشركون يخلدون في النار ، لأنهم كانوا عازمين على الكفر بالله أبدا ، فكان عذابهم الخلود في النار خلودا أبديا .
أما المؤمنون بالله مع العصيان وارتكاب السيئات ، فإنهم يلقون جزاءهم في جهنم ، ثم يخرجون منها إلى الجنة ، فلا يخلد في جهنم من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، كما جاء في صحاح السنة ، وفي حديث البطاقة ما يفيد : " أن الله تعالى يحاسب عبدا على أعماله فيجد سجلات كثيرة فيها السيئات ، فيسأله الله تعالى : هل ظلمك الكرام الكاتبون ؟ فيقول : لا يا رب ، حتى إذا يئس العبد ، قال الله له : إن لك عندنا بطاقة فيها ، شهادة لا إله إلا الله : فيقول العبد : يا رب ، وما تصنع هذه البطاقة أمام هذه السجلات الكثيرة ، فتوضع البطاقة في كفة ، والسجلات في كفة ، فرجحت البطاقة وطاشت السجلات ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ولا يرجح مع اسم الله شيء ) .
وقال ابن مسعود ، وابن عباس ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، في قوله : { ومن جاء بالسيئة } يعني : : الشرك . اه .
ونقول : إن مكافأة المحسن ومعاقبة المسيء واردة في روح القرآن الكريم وآياته :
قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره*ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .
وقال سبحانه : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [ النساء : 40 ]
كما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، أن الله يضاعف ثواب الحسنة عشر أمثالها أو أكثر ، والسيئة تكتب سيئة واحدة .
روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات إلى أضعاف مضاعفة ، ومن هم بها فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وإن هم بها فعملها كتبت له سيئة واحدة )27 .
وقال تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [ الأنعام : 160 ] .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال : { وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار } .
قال ابن كثير : قال ابن مسعود : وأبو هريرة ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم : { مَن جَآءَ بالسيئة } أى الشرك .
ولعل مما يؤيد أن المراد بالسيئة هنا : الشرك . قوله - تعالى - : { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار } لأن هذا الجزاء الشديد ، يتناسب مع رذيلة الشرك - والعياذ بالله - .
أى : ومن جاء بالفعلة الشنيعة فى السوء ، وهى الإشراك بالله { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار } أى : فألقوا بسبب شركهم فى النار على وجوههم منكوسين .
يقال : كب فلان فلانا على وجهه ، وأكبه ، إذا نكسه وقلبه على وجهه .
وفى كبهم على وجوههم فى النار ، زيادة فى إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه هو مجمع المحاسن ، ومحل المواجهة للغير .
والاستفهام فى قوله - تعالى - : { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } لزيادة توبيخهم وتقريعهم والجملة بإضمار قول محذوف .
أى : والذين جاءوا بالأفعال السيئة فى دنياهم ، يكبون على وجوههم فى النار يوم القيامة ، ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب : ما حل بكم من عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم .
وكون المراد بالسيئة هنا الشرك ، لا يمنع من أن الذى يرتكب السيئات من المسلمين ، يعاقب عليها ما لم يتب منها فالله - تعالى - يقول : { لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }
قوله : { وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } المراد بالسيئة هنا الشرك وهو قول أكثر المفسرين من السلف . فالذين أشركوا ؛ إذ جحدوا وحدانية الله وعبدوا معه آلهة أخرى ، فإنهم يكبون على وجوههم في النار ، أي يلقون فيها منكوسين على وجوههم ، وذلك زيادة في التنكيل .
ويستدل من ذلك أن المراد بهؤلاء ، المشركون ، لأن مثل هذا الجزاء الوبيل لا يكون إلا في مقابلة الكفر والإشراك بالله .
قوله : { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تقول خزنة النار من الملائكة لهؤلاء المشركين المكبكبين في النار زيادة في التعذيب والتنكيل { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } والاستفهام من باب التوبيخ والتهكم والتقريع ، أي ما تجزون هذا الجزاء الأليم من الكبكبة في النار على وجوهكم إلا جزاء كفركم وإشراككم{[3470]} .