تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (11)

11- قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين .

كانت للعرب رحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن بحثا عن طلب المعاش ، فأمرهم الله أن يسيروا في الأرض وطلب منهم التأمل والاعتبار . بما أصاب الأمم السابقة التي كذبت أنبياءها وخرجت على منهج الله .

إن هذا التفسير التربوي للتاريخ جزء من منهج القرآن الكريم حيث فتح العيون والأبصار للتأمل والاعتبار وحيث بين القرآن أن سنن الله باقية خالدة ومن السنن مكافأة العاملين ومعاقبة الظالمين .

إن هذه الآية دعوة إلى الرحلة والسياحة والتأمل والاعتبار في قوانين الله مكافأة العاملين حيث قال تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . ( الأنبياء : 105 ) ، ومن قوانين الله إهلاك المكذبين . قال تعالى : ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور . ( سبأ : 17 ) .

والسعيد من اتعظ بغيره ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحين الفرصة لتحريك العظة والاعتبار في قلوب المؤمنين . وفي غزوة تبوك مر على قرى قوم لوط ، فاستحث راحلته ، وحنى ظهره مشفقا ضارعا إلى الله ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تمروا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم مشفقون أن يصيبكم ما أصابهم ) ( 59 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (11)

فإن شككتم في ذلك ، أو ارتبتم ، فسيروا في الأرض ، ثم انظروا ، كيف كان عاقبة المكذبين ، فلن تجدوا إلا قوما مهلكين ، وأمما في المثلات تالفين ، قد أوحشت منهم المنازل ، وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل ، أبادهم الملك الجبار ، وكان بناؤهم عبرة لأولي الأبصار . وهذا السير المأمور به ، سير القلوب والأبدان ، الذي يتولد منه الاعتبار . وأما مجرد النظر من غير اعتبار ، فإن ذلك لا يفيد شيئا .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (11)

ثم أمر القرآن النبى صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم بحال من سبقوهم عن طريق التطلع إلى آثارهم ، والتدبر فيما أصابهم ، والاتعاظ بما حل بهم فقال - تعال - :

{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين } .

أى : قل - يا محمد - لأولئك المكذبين لك ، المستهزئين بدعوتك ، لا تغتروا بما أنتم فيه من قوة وجاه ، فإن ذلك لا دوام له ، وسيروا فى فجاج الأرض متدبرين متأملين ، فسترون بأعينكم آثار أقوام كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا ، ولكن ذلك لم يمنع وقوع العذاب بهم حين بدلوا نعمة الله كفرا ، وحاربوا رسل الله والدعاة إلى دينه .

وقد ذكر القرآن الكريم فى سور متعددة أن آثار أولئك الأقوام المهلكين ، ما زال بعضها باقيا ، وإنها لتدعو العقلاء إلى الاتعاظ والاعتبار فقال - تعالى - : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ } وقال - تعالى - فى شأن قوم لوط : { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطلب منهم السير فى الأرض للتفكر والتدبر ، لأنهم كانوا يستهزئون به صلى الله عليه وسلم فكانت المخاطبة منه لهم من قبيل النصيحة والتحذير .

وليس المراد مجرد النظر فى قوله ( فانظروا ) وبين قوله { ثُمَّ انظروا } ؟ قلت : جعل النظر مسببا عن السير فى قوله ( فانظروا ) فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ، ولا تسيروا سير الغافلين . وأما قوله { سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا } فمعناه إباحة السير فى الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر فى آثار الهالكين ، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح .

وقد علق الشيخ ابن المنير على عبارة صاحب الكشاف فقال : " وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير فى المكانين واحداً ، ليكون ذلك سببا فى النظر ، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية ، وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير وأن السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين المقصود والوسيلة " .

والذى نرجحه أن التعبير بثم هنا المفيدة للتراخى للإشارة إلى أن السير الذى هو وسيلة للتفكر مطلوب فى ذاته كما أن النظر الذى يصحبه التفكر والاعتبار مطلوب أيضاً ، وكأنه أمر بدهى نتيجة للسير ، أما التعبير بالفاء فى قوله " فانظروا " فلإبراز كون النظر مسببا عن السير ، ومترتبا عليه ، وكلا الأسلوبين مناسب للمقام الذى سيق من أجله ، ومتناسق مع البلاغة القرآنية .