بطرت معيشتها : بغت وتجبرت ولم تحفظ الله ، من البطر ، وهو جحود النعمة ، وكفران الفضل ، وفي القاموس : البطر : الأشر وقلة احتمال النعمة ، أو الطغيان بها ، وفعله بطر كفرح .
58-{ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين } .
أراد القرآن أن يؤكد لأهل مكة أن سبب هلاك القرى يكمن في ظلمها وكفر النعمة ، والبطر والأشر والعدوان ، والقتل بدون وجه حق .
والخلاصة : أن الكفر بنعمة الله هو سبب الهلاك ، وليس الإيمان بالله أو بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
كثيرا ما أهلكنا من قرى الظالمين ، كعاد وثمود وقوم لوط ، بسبب عتوهم وبطرهم بالنعمة وكفرهم بالرسل ، وسوء استخدامهم للنعمة ، فهذه بيوتهم خاوية بعد هلاكهم ، لم تسكن بعد هلاك أهلها ، إلا وقتا قليلا ، هو وقت المستريح بها من القيلولة ، أو من ظلام الليل ، لأنها لا تصلح للإقامة الدائمة ، لما أصابها من التصدع .
{ وكنا نحن الوارثين } ، فلما يوجد من أبناء الهالكين من يرثها ، لهلاك الجميع والقضاء عليهم ، أو لأنها بعد الصاعقة أو الطاغية أو التدمير لم تعد تصلح للسكنى .
بين سبحانه لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب وتخطفته أن الخوف في ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار ، والبطر : الطغيان بالنعمة . اه .
ثم بين - سبحانه - الأسباب الحقيقية التى تؤدى إلى زوال النعم ، التى من بينها نعمة الأمان والاطمئنان ، فقال - تعالى - : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } .
وكم هنا خبرية للتكثير ، و { بَطِرَتْ } من البطر ، بمعنى الأشر والغرور واستعمال نعم الله - تعالى - فى غير ما خلقت له .
أى : وكثيرا من أهل قرى كانت أحوالهم كحال أهل مكة فى الأمن وسعة الرزق ، فلما بطروا معيشتهم ، واستعملوا نعمنا فى الشر لا فى الخير ، وفى الفسوق لا فى الطاعة ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم وقراهم تدميرا .
إذاً فبطر النعمة وعدم الشكر عليها ، هو السبب الحقيقى فى الهلاك ، وليس اتباع الهدى ، كما زعم أولئك المشركون الجاهلون .
قال القرطبى : " بين - سبحانه - لمن توهم ، أنه لو آمن لقاتلته العرب وتخطفته ، أن الخوف فى ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار . والبطر : الطغيان بالنعمة " .
و { مَعِيشَتَهَا } أى : فى معيشتها ، فلما حذف " فى " تعدى الفعل ، كما فى قوله - تعالى - : { واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً }
ثم بين - سبحانه - مآل مساكن هؤلاء الطاغين فقال : { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } .
أى : فتلك مساكن هؤلاء الطغاة ترونها يا أهل مكة فى أسفاركم - إنها لم تسكن من بعدهم إلا زمانا قليلا ، كالذى يرتاح بها وهو مسافر ثم يتركها إلى غير عودة إليها ، لأنها صارت غير صالحة لذلك لشؤمها .
{ وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين } أى : وكنا نحن وحدنا الوارثين لها منهم ، لأنهم لم يتركوا أحدا يرث منازلهم وأموالهم ، أو لأنها صارت خرابا لا تصلح للسكن .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.