تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (123)

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ 123 } .

التفسير :

123 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ . . . } الآية .

المعنى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ؛ قاتلوا الأقرب من الكفار ، أي : إنه يجب على كل بلد مسلم أن يكون مستعدا ومتأهبا ، وأن يبدأ بقتال ما يجاوره من الكفار .

{ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } . والغلظة هنا يراد بها : الشجاعة والقوة ، ولا يكون ذلك إلا بعد الاستعداد والتمرين والتمرس بأساليب القتال .

{ واعلموا أن الله مع المتقين } . أي : تأكدوا وثقوا بأن معية الله وعونه ونصره للمتقين الذين آمنوا بالله وراقبوه وأطاعوه ، واجتنبوا مخالفته .

في أعقاب الآية :

في جزرة العرب تقع مدن متعددة مثل : مكة ، والمدينة ، والطائف ، وخيبر ، واليمامة ( الرياض ) .

وتجاور هذه المدن صحارى وبادية ممتدة ، وهذه البادية كانت مرتبطة بالمدن المجاورة لها ؛ فأهل البادية يحملون إلى المدينة ما يريدون بيعه من الماشية والألبان والدواجن وأشباه ذلك ؛ ويشترون من المدينة الثياب وأدوات القتال وما يتصل بذلك .

ومن يسيطر على مدينة مثل خيبر أو مكة أو الطائف ؛ يسهل عليه كثيرا أن يسيطر على ما حولها من سكان البادية والأعراب .

وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ عمل على تأمين المدينة في الداخل ؛ فعقد معاهدة مع اليهود ، ثم عقد تحالفا مع الأعراب المقيمين حول المدينة ، وأرسل عددا من السرايا ؛ لتأمين دائرة حول المدينة ، ثم كانت غزوة بدر الكبرى ، وأعقبها عقد تحالف مع عدد من البلاد المجاورة ، وكانت غزوة خيبر وفتح مكة ، وغزوة حنين ، والطائف ؛ لتأمين السيطرة على المدن الكبرى في الجزيرة العربية ، ثم أمر الله المسلمين بالاستمرار في قتال من يجاورهم من الكفار ، فاتجهوا إلى غزوة تبوك ولم يكن فيها قتال ، ولكن وضعت الجزية على أيلة ، وبصرى ، وكانت تلك الغزوة إرهابا للنصارى ، ونزلت سورة براءة عقبها ، فكانت هذه الآية كالوصية للمسلمين بالاستمرار على غزو بلاد الكفر المجاورة لبلاد الإسلام .

ولذلك ابتدأ الخلفاء بفتح الشام ، ثم العراق ، ثم فارس ، ثم انتقلوا إلى مصر ، ثم إلى إفريقية ، ثم الأندلس .

وفي توجيه الخطاب للذين آمنوا دون النبي ، إيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يغزو بعد ذلك وأن أجله الشريف قد اقترب ، ولعل في قوله تعالى : { واعلموا أن الله مع المتقين } . إيماء إلى التسلية للمسلمين على فقد نبيهم ، وأن الله معهم ؛ كقوله في الآية الأخرى : { وسيجزي الله الشاكرين } . ( آل عمران : 144 ) .

*

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (123)

ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد في سبيل الله ، بدعوة المؤنمين إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة بشدة وغلظة فقال - تعالى - : { ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ . . . } .

وقوله : { يَلُونَكُمْ } من الولى بمعنى القرب ، تقول جلست مما يلى فلان أى : يقاربه .

قال ابن كثير : أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا ، الأقرب فالأقرب ، إلى حوزة الإِسلام ، ولهذا بدأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقتل المشكرين في جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة واليمن . . وغير ذلك من أقاليم العرب ، دخل الناس من سائر احياء العرب في دين الله أفواجا ، شرع في قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وأولى الناس بالدعوة إلى الإِسلام لأنهم أهل كتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس ، وجدب البلاد ، وضيق الحال ، ذلك سنة تسع من الهجرة ، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع ، ثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد حجة الوداع بأحد وثمانين يوما وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه .

وقوله { وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أى : وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم ، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا بأخيه المؤمن ، غليظا على عدوه الكافر . قال - تعالى - : { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } وفى الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أنا الضحوك القتال " يعنى أنه ضحوك في وجه وليه المؤمن ، قتال لهامة عدوه الكافر .

وقوله : { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } تذييل قصد به خص المؤمنين على التسلح بسلاح الإِيمان والتقوى حتى ينالوا نصر الله وعونه .

أى : واعلموا أن الله - تعالى - مع المتقين بنصره ومعونته ، فاحرصوا على هذه الصفة ليستمر معكم نصره - سبحانه - وعونه .

وإنما أمر الله - تعالى - المؤمنين أن يبدأوا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ديارهم ، لأن القتال شرع لتأمين الدعوة الإِسلامية ، وقد كانت دعوة الإِسلام موجهة إلى القرب فالأقرب ، فكان من الحكمة أن يبدأوا قتالهم مع المجاورين لهم حتى يأموا شرهم ، ولأنه من المعلوم أنه ليس في طاقة المسلمين قتال جميع الكفار ، وغزو جميع البلاد في زمان واحد ، فكان من قرب أولى ممن بعد .