الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (93)

{ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا .

وروى أنس " عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : عن لا إله إلاّ الله " .

قال عبد الله : والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلاّ سيخلو الله تعالى به يوم القيامة ، [ كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ] فيقول : يابن آدم ماذا غرك مني ، يابن آدم ما عملت فيما علمت ، يابن آدم ماذا أجبت المرسلين .

واعترضت الملحدة بأبصار كليلة وأفهام عليلة على هذه الآية على قوله :

{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [ الرحمن : 39 ] وحكموا عليهما بالتناقض .

والجواب عنه : ما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله : { لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقوله :

{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [ الرحمن : 39 ] . قال : لانسألهم هل عملتم كذا وكذا ، لأنه أعلم بذلك منهم ، ولكن يقول لهم : لِمَ عملتم كذا وكذا ؟ واعتمد قطرب هذا القول ، وقال : السؤال على ضربين : سؤال استعلام واستخبار ، وسؤال توبيخ وتقرير . فقوله :

{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ } [ الرحمن : 39 ] يعني استعلاماً واستخباراً ، لأنه كان عالماً بهم قبل أن يخلقهم . وقوله : { لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يعني تقريعاً وتقريراً ليريهم القدرة في تعذيبنا إياهم .

وقال عكرمة : سألت مولاي عبد الله بن عبّاس عن الآيتين ، فقال : إن يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف ، يسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها . ونظيره قوله :

{ هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } [ المرسلات : 35 ]وقال في آية أخرى :

{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [ الزمر : 31 ] .

وقال بعضهم :

{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ } [ الرحمن : 39 ] إذا كان المذنب مكرهاً مضطراً ، و { لَنَسْأَلَنَّهُمْ } إذا كانوا مختارين ، وقيل : لا يسأل إذا كان الذنب في حال الصبى أو الجنون أو النوم ، بيانه قوله صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاث " وقولهم : لنسألنهم ، إذا كان عملهم خارجاً من هذه الأحوال ، وقيل : لا يسأل إذا كان الذنب في حال الكفر .

وقوله : { لَنَسْأَلَنَّهُمْ } يعني المؤمنين ، بيانه قوله :

{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال : 38 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الاسلام يجبّ ما قبله " .