الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي - الثعالبي  
{وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ} (3)

وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفاً له ، وَمَدْحاً واخْتُلِفَ في معنى { مَمْنُونٍ } فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ : هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ ، يقال : حَبْل مَنِينُ أي : ضعيفٌ ، وقال آخرون : معناه : غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ ، أي : لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه ، وفي الصحيحِ : سُئِلَتْ عائشةُ رضي اللَّه عنها عن خلقِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقَالَتْ : «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ » ، وقال الجُنَيْدُ : سمّي خلقُه عَظِيماً ؛ إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى ؛ عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه ، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ ، وباطِنهُ مع الحق ، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء : عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ ، وحسْنُ الخلقِ خيرٌ كلّه ، وقال عليه السلام : " إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ ، صَائِمِ النَّهَارِ " وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال : " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ ؟ فقَال : تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ ؟ فَقَالَ : الفَمُ وَالْفَرْجُ " ، قَالَ أبو عيسى : هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ ، انتهى . ورَوى الترمذيُّ عَنْ أبي الدرداءِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيء " ، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ، انتهى .